كانت الفكرة الرئيسة المشتركة بين الحركة الصهيونية وتعاليم العنصريين هي أن العالم يشتمل على أمم مختلفة في حالة نزاع دائم, وأن الأمم الراقية يجب أن تسيطر على مصائر الأمم الأخرى وتهيمن على ثرواتها وبلدانها. وقد التقت الصهيونية, جوهرها <<عقيدة الشعب المختار>>, بالنازية , وجوهرها <<عقيدة الشعب الألماني الآري المتفوق>>, كما التقت الصهيونية, فيما بعد, بنزعتها الأصلية في الاستعمار والتوسع والهيمنة, بالإمبريالية, بنزعتها الأصلية في السيطرة وتسخير الشعوب لأغراضها (ر: العنصرية والصهيونية).والتقت النازية والصهيونية في مجال التنفيذ العملي انطلاقا من السياسة الأولى القائمة على ضرورة التخلص قدر المستطاع من الفئات غير الآرية في ألمانيا, وهدف الثانية في استعمار فلسطين وسوق أكبر عدد من اليهود إليها.رأت الحركة الصهيونية في اليهود الألمان مجالا رحبا لنشاطاتها فنقلت مركز عملها بعد موت هرتزل من فيينا إلى كولن فبرلين. ويعود نشوء أول حركة يهودية في ألمانيا تدعو إلى الاستيطان في فلسطين إلى عام 1864. وقد تم الإعلان عن تأسيس المنظمة الصهيونية في ألمانيا كجزء من الحركة الصهيونية العالمية في 31/10/1897 في فرانكفورت بزعامة ماكس بودنهايمر, ثم أسس هنريخ لو المنظمة الصهيونية في برلين. وفيها صدرت عام 1902 نشرة بعنوان <<الأنباء اليهودية>> استمرت حتى عام 1938. ولكن عدد أعضاء المنظمة الصهيونية الألمانية لم يرتفع حتى عام 1912 إلى أكثر من 8,400 عضو معظمهم من أبناء الطبقة الوسطى. وطالب المؤتمر الثالث عشر للمنظمة الصهيونية في ألمانيا بالهجرة إلى فلسطين والامتناع <<عن الدعوة لنيل الحقوق المدنية في ألمانيا, على أساس أن الإقامة في ألمانيا مؤقتة>>في أثناء الحرب العالمية الأولى أصبح للحركة الصهيونية مكتب في برلين بالإضافة إلى مكتبها الرئيس في كوبنهاغن المحايدة ومكتبها الآخر في بريطانيا. وتلقي قنصل ألمانيا في فلسطين عام 1915 تعليمات تنص على <<ضرورة تأمين الحماية التامة للمصالح اليهودية في فلسطين>>. وقبل نهاية الحرب أحدثت الحكومة الألمانية دائرة خاصة للشؤون اليهودية في وزارة الخارجية الألمانية وتطوع بعض اليهود من أوربا في وزارة الخارجية الألمانية وتطوع بعض اليهود من أوربا الشرقية في الجيش الألماني.ومن برلين قاد فلاديمير جابوتنسكي في عام 1923 ما أطلق عليه اسم <<الحركة التصحيحية>> (ر: المنظمة الصهيونية الجديدة) وتم تأسيس كثير من النوادي والجمعيات ودور النشر. ورغم ذلك فقد <<بقيت الدعاية الصهيونية محصورة في إطار المهاجرين من روسيا القيصرية.. كما بقيت الحركة الصهيونية معزولة عن جماهير اليهود الألمان, ولم تخرج الحركة الصهيونية في ألمانيا من أزمتها إلا في العهد النازي>>.وكان أركان النازية في مقدمة المهتمين بإنجاح المشروع الصهيوني للاستيطان في فلسطين. فقد كتب منظر النازية الأكبر الفريد روزنبرغ عام 1927 في كتابه <<محاكمة اليهود في العصور المتغيرة>>:<< يجب تقديم العون الفعال للصهيونية حتى يمكن نقل أكبر عدد ممكن من اليهود الألمان إلى فلسطين سنويا>>.وفي 15/5/1935 قالت صحيفة <<داس ستكوازكوريس>> التي تنطق باسم جهاز المخابرات الألماني: <<ربما لن يطول الزمن حتى تستقبل فلسطين أبناءها الذين افتقدتهم منذ ألف سنة, وتقف معهم رغبتنا ورغبة الدول الحسنة>>.وبوصول الحزب النازي بقيادة هتلر إلى السلطة في ألمانيا (كانون الثاني 1933) بدأ تطبيق سياسة مضايقة اليهود المعارضين للصهيونية من الذين يعتبرون ألمانيا وطنهم, فوافق المجلس الوزراء الألماني في نيسان 1933 على قانون الخدمة المدنية الذي منع جميع اللاآريين, باستثناء الذين قاتلوا في الجبهة أو خسروا أبا أو ابنا في الحرب العالمية الأولى, من شغل أي مركز في الخدمة المدنية الاتحادية أو التابعة للولاية أو البلدية, كما منع اليهود المقبولين في الكليات والجامعات من أن يكونوا أعضاء في التنظيمات الطلابية, والمحررين السياسيين اليهود من حضور المؤتمرات الصحفية الحكومية. وتم كذلك إبعاد جميع القضاة والمحامين اليهود عن العمل في القضاء. وفي بروسيا طلب البرلمان من وزير التربية صرف جميع المعلمين اليهود وتحديد عدد الطلبة اليهود في الجامعات والمدارس فلا تزيد نسبتهم على واحد في المائة. وفي ميونيخ أعلن مراقب المدارس عدم السماح لأي من أولاد اليهود بدخول المدارس المسيحية ولأطباء المدارس اليهودية بمعالجة أولاد المسيحيين. وكان الهدف من هذه الإجراءات كما علق أحد الخبراء القانونيين اليهود البارزين <<خروج عدد كبير من اليهود واللاآريين والليبراليين من ألمانيا>>.رأت الصهيونية في صعود الحزب النازي واستلامه السلطة فرصة ذهبية لإجبار اليهود على الرحيل إلى فلسطين وتحقيق فكرتها القائلة بأن اليهود يجب ألا يكونوا جزءا من مجتمع غير يهودي. ومنذ البداية أجرت الحركة الصهيونية اتصالات كثيرة بقادة الحركة النازية على يد بعض زعمائها من أمثال بولكيس وتوسيغ. وقد عبر عنها الصحفي الألماني هانس هنيه بقوله: <<إن الصهيونيين لم يعتبروا توطيد أقدام في ألمانيا كارثة قومية, بل اعتبروه إمكانية تاريخية فريدة لتحقيق المقاصد الصهيونية>>. ووصف أدولف أيخمان أحد قادة النازية نفسه بأنه موالِ للصهيونية, وأقام علاقات ودية مع الصهيونيين.ساعد القادة النازيون الحركة الصهيونية في مساعيها لتوجيه الهجرة اليهودية إلى فلسطين, وشكل في برلين <<مكتب فلسطين لتنظيم هجرة اليهود الألمان>>, ولم يعد ممثلو الحركة الصهيونية <<يأتون إلى ألمانيا النازية لإنقاذ اليهود الألمان بل لاختيار الرجال والنساء والشباب والمستعدين للذهاب إلى فلسطين لكي يصبحوا روادا ويناضلوا ويحاربوا>>. وحظيت سياسة تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين بتأييد هتلر نفسه, وأبدت الحركة الصهيونية استعداها <<لتحرير ألمانيا من يهودها>>.اتخذت العلاقة بين الحركة الصهيونية والنازية شكلها الرسمي بتوقيع الرايخ الألماني والوكالة اليهودية* اتفاقية <<هعفراه>> ( وتعني بالعبرية النقل أو التحويل) التي سمحت بنقل رؤوس أموال اليهود الألمان المهاجرين إلى فلسطين مقابل إلغاء الصهيونية للحصار الاقتصادي الذي فرضه اليهود الألمان على البضائع الألمانية بسبب القوانين التي فرضتها ألمانيا النازية على اليهود الألمان. ومنحت هذه الاتفاقية الرأسمالي اليهودي الألماني المهاجر إلى فلسطين حق إجراء اتصال بمصدر ألماني لنقل السلع من ألمانيا إلى فلسطين, على أن تدفع للمصدر الألماني, أموال مسحوبة من حساب مجمد لليهود المهاجرين ويتلقى المهاجر أمواله المحولة بهذه الطريقة من الوكالة اليهودية لدى وصوله إلى فلسطين. وبعد وقت قصير ألحقت باتفاقية <<هعفراه>> اتفاقية تتم بموجبها مقايضة البرتقال الفلسطيني بالخشب وورق اللف والسيارات والمضخات وآلات الزراعة الألمانية وغيرها.لقد منحت اتفاقية <<هعفراه>> الحركة الصهيونية سلاحا قويا لأنها سمحت بهجرة اليهود الألمان وحدهم إلى فلسطين وتعويضهم. وأما سائر اليهود فقد كانت أموالهم تصادر بدون أي تعويض. وكان منظمو الهجرة الصهيونية يناليون, بالتعاون مع النازيين, حصتهم من الفوائد المادية على حساب الأفراد من اليهود.وقد أيد المؤتمر الصهيوني* الثامن عشر الذي عقد في براغ (آب 1933) سياسة الحركة الصهيونية ورفض تبني اقتراح باشتراك المنظمة الصهيونية في الجهود لمقاطعة ألمانيا. وكان الاتحاد الصهيوني لألمانيا قد طمأن أحد كبار القادة النازيين بأن النداءات التي تدعو إلى مقاطعة ألمانيا ليست صهيونية. وقرر المؤتمر الصهيوني التاسع عشر الذي عقد في لوسيرن (أيلول 1935) أن يضع نظام <<هعفراه>> كله تحت الإشراف المباشر للجنة التنفيذية الصهيونية التي نقلت إليها الأسهم التي كان يملكها المصرف البريطاني ـ الفلسطيني. بلغت عمليات النقل التي حققتها <<هعفراه>> عام 1933 مبلغ 1,254,956 ماركا, ووصلت في عام 1937 إلى 31,407,501 مارك. وجاءت هذه الزيادة بعد مصادقة المؤتمر الصهيوني التاسع عشر على قوانين نورنبرغ (1935) التي أصدرتها السلطات النازية وقسمت مواطنيه الرايخ إلى درجتين:<<البرانجسبرغر>> الذي يجب أن يكون ذا دم ألماني نقي, و<<الستاتسانهوزيغر>> الذي هو من رعايا الدولة ولكنه ليس مواطنا, وبعد المصادقة كذلك على قانون <<من أجل حماية الدم والشرف الألمانيين>> الذي أضاف إلى قوانين نورنبرع أن الاثنين يجب ألا يتعايشا معا في إطار الزواج ولا خارجه, وصنف اليهود الألمان في الدرجة الثانية. وقد نالت الحركة الصهيونية المزيد من المكاسب بعد صدور هذه القوانين, على حين تدهور وضع اليهود الألمان.سمحت السلطات النازية في الوقت ذاته للمنظمة الصهيونية بإقامة مراكز تدريب مهني وزراعي للمرشحين للهجرة, وبتنظيم صوف لتدريس اللغة العبرية تحت إدارة روبرت فيلتش. كما سمحت للصهيونيين الألمان بحضور المؤتمر الصهيوني التاسع عشر. ووافقت الشرطة السرية الألمانية (الغستابو) في بافاريا على أن يرتدي أعضاء إحدى الحركات الصهيونية الملابس التقليدية لحركة الشبيبة اليهودية, في حين منعت سائر اليهود من ارتدائها.ظل العمل باتفاقية <<هعفراه>> قائما حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939), وبلغت قيمة الصفقات خلال هذه الفترة 140 مليون مارك ألماني.ازداد عدد اليهود في ألمانيا بعد ضم النمسا إلى الرايخ وعقد اتفاقية ميونيخ وتقسيم تشيكوسلوفاكيا, وبدأت السلطات النازية حملة أوسع لتهجير اليهود بالتعاون مع الحركة الصهيونية التي أرسلت إلى ألمانيا النازية ممثلين عن الموساد* هما بنيو غيتسبورع وموشيه أفرباخ للتعجيل بتنفيذ البرنامج الصهيوني الخاص بتأهيل اليهود للهجرة إلى فلسطين. ومنذ نهاية كانون الأول 1938 كان هذان الموفدان يعملان باستمرار على أراضي الرايخ لإعداد قوافل الهجرة إلى فلسطين دون أية معارضة من الشرطة الألمانية. وأرسلت الحركة الصهيونية كذلك موفدا آخر إلى فينيا هو موشي بار ـ جلعاد لتنفيذ المهمة ذاتها. وكانت الطريق الوحيدة للهجرة غير القانونية تمر من خلال قيادة الغستابو ومكتب <<أس أس .s.s>> للشؤون اليهودية.ووافق أيخمان على طلبات بار ـ جلعاد بتأمين المزارع والمنشآت لإقامة مراكز تدريب للراغبين في الهجرة ممن وافقت عليهم الحركة الصهيونية. وأكد أيخمان <<أن ألمانيا النازية مستعدة لإعطاء الصهيونيين بعض المزارع الواسعة كي يقيموا فيها مراكز تدريب وتجميع للشباب اليهود تمهيدا لتهريبهم إلى فلسطين>>. بل إنه قام في إحدى المرات بطرد <<عدد من الراهبات من أحد الأديرة ليوفر للصهيونيين كل وسائل التدريب التي تلزمها في إحدى المزارع>>.وبنهاية عام 1938 كان نحو ألف يهودي يخضعون للتدريب في هذه المعسكرات التي أقامتها السلطات النازية. ووفر النازيون الحماية الرسمية لقوافل الهجرة إلى فلسطين.وكانت هذه الاتفاقية الخاصة بالهجرة قد أقرت رسميا من قبل النازين (ولو بشكل سري), وأصدر هتلر أوامره في كانون الثاني 1938 بتوجيه الهجرة اليهودية إلى فلسطين مباشرة, وأبلغت أجهزة الحزب النازي الوزارات المختصة بقرار هتلر أن يستمر تشجيع الهجرة اليهودية من ألمانيا إلى فلسطين بجميع الوسائل الممكنة.وفي 9/11/1938 نفذ النازيون اضطرابات المنظمة أحرقت فيها ممتلكات اليهود الألمان واعتدي عليهم. وكانت النتيجة أن أخذ اليهود من جميع أنحاء ألمانيا يتقدمون بطلبات الهجرة إلى مكاتب <<حركة الريادة الصهيونية>>. وقد بلغت نسبة المهاجرين اليهود من ألمانيا إلى فلسطين عام 1938 نحو 52% من المجموع العام لليهود المهاجرين. واستمر العمل باتفاقيات الهجرة الصهيونية ـ النازية على هذا الشكل لمدة سنتين بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.وعقب بدء الغزو النازي للاتحاد السوفيتي صيف عام 1941 وجد هتلر أنه لم يعد من الممكن تخليص أوربا من اليهود بالهجرة. وتبنى ما سمي <<الحل النهائي للمشكلة اليهودية>> فأقيمت معسكرات الإبادة الجماعية لتنفيذ هذا الحل.وإزاء هذه السياسة الجديدة للنازيين وجدت الحركة الصهيونية نفسها أمام اختيارين اثنين, الأول إلغاء اتفاقيات 1938 وإعلان الحرب ضد النازية. وهذا يعني التخلي بشكل نهائي عن تأمين هجرة محدودة للعناصر الصهيونية من أوربا والتعاون مع غير اليهود في مواجهة الغزو النازي, وبالتالي دحر فلسفة الحركة الصهيونية. والاختيار الثاني هو قبول السياسة النازية الجديدة ومساعدة السلطات النازية في تنفيذ خططها بشأن اليهود. واختارت الحركة الصهيونية الحل الثاني وأبقت باب الاتصال مفتوحا مع ألمانيا النازية.أقامت السلطات النازية في كل <<غيتو>>* يهودي ما سمي المجلس اليهودي ( اليودنرات). وكان معظم أعضاء المجالس من الصهيونيين الذين تعاونوا مع النازيين وقاموا بإعداد قوائم اليهود الذين أرسلوا إلى الموت وشاركوا في إخماد مقاومة يهود الغيتوات للغزو النازي. وشهد غيتو مدينة فيلنو (ليتوانيا) صورة واضحة لهذا التعاون في مشاركة جاكوب جنز ـ الصهيوني المتعاون مع النازيين وعضو المنظمة العسكرية للصهيونية التصحيحيين ونائب قائد قوة شرطة اليهود في فيلنو ـ في قمع مقاومة يهود الغيتو و إبادتهم, الأمر الذي دفع النازيين إلى تعينيه قائدا لجميع الغيتوات الريفية في منطقة فيلنو. وعمد آباكوفنر ممثل هاشومير هاتسعير (منظمة الحارس الفني) وقائد قوات القتال السرية في فيلنو إلى منع يهود الغيتو من مغادرته هربا من القتل, باستثناء أعضاء هاشومير هاتسعير. كما ساهم في إرسال اليهود الذين نجوا من الموت في الغيتو إلى معتقلات الإبادة.وفي سليزيا الشرقية العليا (قسم من بولونيا كان قبل نهاية الحرب العالمية الثانية تابعا لألمانيا) أقام النازيون مجلسا للشيوخ اختاروا أعضاءه من الصهيونيين, ونصبوا مونيك ميرين أحد الصهيونيين في جالية سوستوفيتش (سليزيا) زعيما لجميع مجالس الشيوخ, وترك مصير أي يهودي رهنا بقرارات هذه المجالس مع إبقاء عمليات الخطف والاعتقال في أيدي الشرطة اليهودية المتعاونة مع النازيين. وأعد المجلس اليهودي لغيتو بياليستوك (بولونيا) قوائم بأسماء 6,300 يهودي لإرسالهم إلى معسكرات الإبادة. وفيما بعد ساهم أفرايم باراز زعيم المجلس في إخفاء خطة النازيين (بدأ تنفيذها في 15/8/1943) لإبادة سكان غيتو بياليستوك الأربعين ألفا. ونظم حاييم رومكوفسكي أحد القادة الصهيونيين في لودر رحلات الموت لليهود وأصدر مراسيم خاصة به تكمل مراسيم النازيين.وكشف المستشرق البريطاني فارس غلوب النقاب عن أن رودولف كاستنير ـ من لجنة الإنقاذ التابعة للوكالة اليهودية في بودابست ـ وقع اتفاقا مع أدولف أيخمان يتعلق بمصير 800 ألف يهودي في المجر. وقد سمح بموجب هذا الاتفاق بهجرة 600 صهيوني بارز مقابل إبادة اليهود المجرين. وكان الشرط الإلزامي بأن سمحت السلطات النازية بإقامة دائرة إنقاذ برئاسة كاستنر تابعة لشرطة <<الأس. أس>>. وقد تم إخراج هذه الاتفاقية إلى العلن عام 1953 إثر الفضيحة المعروفة <<بقضية كاستنر>>. وحتى لا ينكشف المزيد من المعلومات عن تعاون الوكالة اليهودية مع السلطات النازية عمدت المخابرات الإسرائيلية إلى قتل كاستنر على يد أحد عملائها, رئيف أكشتاين.شهدت غيتوات بولونيا وليتوانيا والمجر ورومانيا حالات مماثلة لتعاون الصهيونيين مع النازيين على قمع معارضة اليهود وإرسالهم إلى معسكرات الموت في أوشفيتز وغيرها.وكشف الكاتب الألماني كلاوز بولكهين النقاب عن وثيقة سرية تسلط الضوء على علاقة منظمة الإرغون* بالنازية عام 1941. ومما جاء فيها: <<إن المنظمة العسكرية الوطنية التي تعرف جيدا حسن نية حكومة الرايخ الألماني وسلطاتها نحو النشاط الصهيوني داخل ألمانيا ونحو خطط الهجرة الصهيونية ترى:1ـ أن مصالح مشتركة يمكن أن توجد بين تأسيس نظام جديد في أوربا ينسجم مع المفهوم الألماني, و المطامح الوطنية الحقة للشعب اليهودي كما تجسمها المنظمة العسكرية الوطنية.2ـ أن التعاون بين ألمانيا الجديدة والأمة العبرية المتجددة سيكون ممكنا.3ـ أن تأسيس الدولة اليهودية التاريخية على أساس قومي وكلي مقيدة بمعاهدة مع الرايخ الألماني سيكون في مصلحة المحافظة على مستقبل القوة الألمانية في الشرق الأدنى وتعزيزه.<< انطلاقا من هذه الاعتبارات تعرض المنظمة العسكرية الوطنية القيام بدور نشيط في الحرب إلى جانب ألمانيا, بشرط اعتراف حكومة الرايخ الألماني بالمطامح الوطنية السالفة الذكر لحركة التحرير اليهودية>>.كانت ممارسات ممثلي الحركة الصهيونية المتعاونين مع النازيين في أوربا الشرقية انعكاسات للسياسة الصهيونية الرسمية وجزءا من المخطط الصهيوني الرامي إلى إقامة الكيان الصهيوني العنصري على أرض فلسطين. ومن أجل هذا الهدف عمدت الحركة الصهيونية إلى التعاون الكامل مع النازية وتقديم المساعدة الممكنة للتخلص من اليهود المعارضين للهجرة إلى فلسطين مقابل السماح بهجرة الصهيونيين. وقد استغلت الحركة الصهيونية ممارسات النازية على اليهود في أوربا ـ وكانت هي التي ساهمت في تنفيذها ـ لكسب الرأي العام الأوروبي إلى جانبها, و <<لجمع المليارات في شكل تعويضات من الألمان>> ولتبرير جرائمها العنصرية ضد الشعب العربي الفلسطيني بحجة إقامة وطن لليهود الذين اضطهدوا على أيدي النازية.وهكذا شكل التعاون الصهيوني ـ النازي صورة حية لأخطر حلف شيطاني بين أعتى حركتين عنصريتين في العصر الحديث
الأربعاء، 27 مايو 2009
العلاقات الصهيونية النازية
الموضوع المحدد لهذه الورقة هو تناول العلاقات الصهيونية- النازية في الفترة الواقعة ما بين عامي 1933 و1942. أي منذ وصول هتلر إلى السلطة في 30 يناير 1933 وحتى 1941وإذا كان مما لا شك فيه أن هذه العلاقة قد مرت بإشكاليات متعددة متناقضة تندرج من التماهي الايديولوجي إلى العداء مروراً بالتعاون الوثيق وفق اتفاقات رسمية موقعة واتفاقات ضمنية مبرمجة، منها ما أعلن ومنها ما ظل طي ملفات التاريخ، بعد هزيمة الرايخ الثالث، واستسلامه بدون شروط، مما جعل أطنان الوثائق محظورة على الباحثين لسببين رئيسيين:
حرص المنتصر على تثبيت روايته الرسمية للتاريخ. وحرص الذين تعاونوا بشكل أو بآخر مع المهزوم، على إخفاء هذا التعاون كي لا يلحقهم ما لحقه من تجريم، وكي يكون بإمكانهم الوقوف في مقدمة جوقة الاتهام والإدانة للإفادة من مكاسب الانتصار ودعم المنتصر.
وكون هذا الاتهام وهذه الإدانة، لم يقتصرا على الجانب الحدثي السلوكي في إدارة السياسة والحرب، وإنما تعدى ذلك بشكل أساسي إلى الايديولوجيا نفسها، فلا بد من البدء بمقدمة تقوم على مقارنة سريعة بين الايديولوجيتين الصهيونية والنازية (وتمر بالفاشية أيضاً)، قبل الدخول في عملية الاستعراض التاريخي للفترة الحرجة المحددة أعلاه. مع ملاحظة أن المقدمة، ولكونها ما هي لن تقدم إلا فكرة سريعة عن موضوع يحتاج الكثير الكثير من الإضاءات والكشف والتدقيق.
في كتاب بعنوان "un juif libre" صادر عام 1976 يقوم الباحث ميشال راشلين بمقارنة مقتطفات من كتاب كفاحي ومن التوراة، ليخلص إلى تطابقها.
وفي كتاب آخر بعنوان "’histoire du mechant Dieu" L صادر عام 1988 يتابع باحث آخر هو بيير غريباري المقارنة ذاتها ليخلص إلى القول: "شئنا أم أبينا، والنصوص هنا واضحة تماماً: أن قانون موسى هو قانون عرقي، بل إنه (وعلينا ألا نتردد في القول)، القانون الكلاسيكي الأكبر من هذا النوع، النص الأقدم، والأكثر عنفاً الذي يبشر بعرقية ايديولوجية تبدأ من المقاربات الأولى وحتى أقصى حدودها. صحيح أن البشر لم ينتظروا التوراة ليقتتلوا، ولكن ما من نص جعل المذابح فرضاً دينياً بسبب عدم نقاء عرق الآخر. فاليهودية هي حقاً العنصرية ذات الحق الإلهي."
وفي هذا يقول هانز ف.ك. غونثر: "إن وعي الدور- المهمة أو الرسالة لدى هتلر هو مشدود بقوة ذات طبيعة شرقية."؛ كما يقول ناحوم غولدمان: "ثمة هوية أساسية لدى الألمان النازيين واليهود هي مواجهة المصير المشترك كمهمة إلهية."
وعندما سئل المنظر العرقي جوليوس سترايشر في محكمة نورغبرغ، عما إذا كان قد شارك في وضع القوانين العرقية التي وضعت في مؤتمر الحزب النازي عام 1935، أجاب: "نعم بمعنى أنني كنت أكتب منذ سنوات مطالباً بمنع اختلاط الدم اليهودي بالدم النازي، وقلت أن علينا أن نأخذ العرق اليهودي أو الشعب اليهودي نموذجاً... فالقوانين اليهودية هي التي اتخذت نموذجاً (لقوانين نورنبرغ)... إنه أصل اليهودية التي استطاعت بفضل قوانينها العرقية أن تستمر طوال قرون في حين انقرضت جميع الأعراق والحضارات الأخرى."
وفي هذا السياق يلاحظ حاييم كوهين الذي كان قاضياً للمحكمة العليا في إسرائيل: "إن سخرية القدر قد أرادت أن تكون الطروحات العرقية والبيولوجية التي تبناها النازيون وكانت وراء قوانين نورنبرغ، هي نفسها التي يبنى عليها تحديد صفة اليهودية في دولة إسرائيل."
ويتوجب التوقف هنا لملاحظة أمرين:
التماهي الواضح، في جواب سترايشر بين مصطلحي: العرق والشعب. مما يترجم الايديولوجيتين: النازية والصهيونية. في حين إن مصطلح الشعب في جميع النظريات غير العنصرية يعني ذلك الكيان الذي تذوب فيه جميع الأعراق في وحدة لا تقر بالتمييز.
اعتبار عدم اندماج اليهود: استمراراً. واعتبار اندماج الأعراق الأخرى في مزيج حضاري مجتمعي (وهذا ما نفهمه نحن بالقومية): انقراضاً.
وهذا ما يذكر بمقولة لباحث يهودي معادٍ للصهيونية هو غومبلو ويتش، الذي اعتبر أن كل مشكلة اليهود تكمن في أنهم "لم يعرفوا أن يذوبوا ويندمجوا كالفينيقيين"، مقولة جعلت ثيودور ليسنغ الصهيوني يقول عنه بأنه "نموذج لكره الذات".
وإذا ما اعتبر قائل أن هذا المفهوم العرقي هو واضح لدى اليمين الصهيوني في نظرية كاملة تعنونها مقولة جابوتنسكي الشهيرة: "إن مصدر الإحساس القومي موجود في دم الإنسان، في نمطه الفيزيائي- العرقي، وفيه فقط... إن الرؤية الروحية للإنسان تحددها أساساً بنيته الفيزيائية، لهذا السبب لا نؤمن نحن بالاندماج الروحي. إنه من غير القابل للتصور، من الوجهة الفيزيائية، أن يتمكن يهودي ولد في أسرة ذات دم يهودي نقي، من أن يتأقلم مع الرؤية الروحية لألماني أو لفرنسي. يمكن له أن يغرق في سائل جرماني. لكن نواة بنيته الروحية تظل أبداً يهويدية"، فإن اليسار الصهيوني لا يختلف كثيراً عن هذه الرؤية، حيث نجد بن غوريون يدين الاندماج بقسوة بل ويحتقر "اليهود المندمجين" وذاك ما يؤكده ويتبناه شيمون بيريز في كتاب لروبرت ليتل صادر عام 1996 بعنوان: "Conversation avec Shimon Peres"، مما يتماهى تماماً مع النظرية النازية التي كانت تصنف اليهود إلى نوعين: اليهود المندمجين هؤلاء أعداء النازية، واليهود الصهاينة وعم الحلفاء الممكنون.
كما عبر روبرت ويلتش رئيس تحرير جودش راندشو (المجلة اليهودية) في افتتاحية عدد 4 نيسان 1933، بالقول: "لقد قدمت النازية فرصة تاريخية لتأكيد الهوية اليهودية واستعادة الاحترام الذي فقده اليهود بالاندماج. إنهم مدينون لهتلر وللنازية."
ووارده سول فريداندر في كتاب صادر عام 1997 بعنوان Lallemagne nazie et les juifs عن دار سوي في فرنسا. ليضيف: "لقد كان مفهوم العرق، المحدد كمجموعة ميزات فيزيائية وذهنية، تتناقل داخل المجموعة بقوة التقاليد بل والجينات، قد استعمل من قبل اليهود أنفسهم من موشيه هس إلى مارتن بوبر، خاصة في ثلاث محاضرات ألقاها بوبر في براغ عام 1911 ونشرت تحت عنوان "ثلاث خطب في اليهودية" واستمر هذا المفهوم في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. حيث نجد لودويغ هولاندر رئيس الجمعية المركزية للمواطنين الألمان ذوي الديانة اليهودية (zentralverin) يؤكد عام 1928 في مطالعة الصعوبات التي تواجهها الطائفة اليهودية، إن اليهود قد شكلوا عرقاً، منذ المرحلة التوراتية، بسبب أصلهم المشترك، لكنه يتساءل عما إذا كان هذا المفهوم ما زال ينطبق على اليهود المعاصرين مجيباً: ما يزال النسب قائماً. وبتعبير آخر ما تزال المميزات العرقية موجودة حتى ولو خففت القرون من حدتها. إنها ما تزال حاضرة في الملامح الفيزيائية والذهنية."
كذلك يورد فريدلاندر منشوراً أصدره عام 1932 الكاتب الصهيوني غوستاف كروجانكر بعنوان (حول مشكلة القومية الألمانية الحديثة) يؤكد فيه أن التمرد الصهيوني على الليبرالية هو تلبية لفرائض الدم، ويجب أن يسمح بفهم عميق للتطور السياسي الحاصل في ألمانيا.
وإذا كنا نتوقف عند هذا المنشور لكونه صادراً عام 1932 أي في العام السابق لوصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا. بعد أن مررنا بـ1911 و1928 فإن المجال لا يتسع لاستعراض نظريات موشيه هس الذي أشار إليه فريدلاندر، والذي عاش في القرن التاسع عشر (1812-1875)، ودعا إلى عودة اليهود إلى فلسطين بدعم من نابوليون الثالث، والمعروف بعبارته الشهيرة: "إن ما يصنع التاريخ هو صراع الطبقات والأعراق" وبتأكيده على التعارض الجذري بين العرق الآري والعرق السامي.
كذلك لا يتسع لاستعراض علاقات هرتزل بغياتسلاف بلهيلف وزير القيصر اللاسامي عام 1903؛ أو لاستعراض العدد الكبير من الدراسات والكتب حول العرقية اليهودية، من مثل: "اليهود كعرق" للدكتور انياسي موريسي جودث اليهودي البولوني (القرن 19) أو "مشكلة العرق" لاينياس زولشان اليهودي النمساوي (1909)، أو كتب هاكل، غوبينو أو الأميركي موريس فوشبرغ "العلاقات العرقية المميزة لليهود" (1912) أو "اليهود كعرق أو كمجموعة ثقافية" لليهودي الألماني فريتز خان، إلى كتابات اليهودي البروسي ارثور روبين (1930) الذي استقر في فلسطين عام 1907 وأصبح مديراً للاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية منذ عام 1926. وسنعود إليه عند تناول اتفاقية الهعفارا.
في نقطة أخرى يؤكد زئيف ستيرنهيل، الباحث الإسرائيلي، في كتاب صدر عام 1996 أيضاً بعنوان: Aux origines d israel Entre nationalisme et soscialisme، إن الصهانية العماليين الذين كانوا يديرون الوكالة اليهودية لم يكونوا اشتراكيين ديمقراطيين، بل قوميين- اشتراكيين متأثرين بالقومية الألمانية Volkisch وبنظرية سوريل حول الأسطورة.
وهذا ما يؤكده حديث هؤلاء عن "قوة الأسطورة" وعملهم عليها، بدءاً من ثيودور هرتزل الذي استعرض سلبيات كثيرة لفلسطين (كوطن قومي لليهود) لكنه استطرد أنها كلها لا توازي قوة الأسطورة. الأسطورة التي لا تقوم عنصريتها فقط على نقاء العرق، رفض الاندماج، والعزل العرقي. وذاك ما سنعرض في الاستعراض التاريخي، بل وأيضاً على مبدأي: الإبادة العرقية، والترانسفير.
فإذا كان الحل النهائي النازي قد عنى كما أثبت المؤرخون: ترانسفير اليهود خارج الرايخ الثالث، أو نقلهم إلى المعتقلات. دون أن يعني الإبادة الممنهجة، حيث مات من مات في هذه المعتقلات بشكل لا إنساني مثلهم مثل سائر المعتقلين. فإن الترانسفير اليهودي الصهيوني الممنهج ضد سكان فلسطين، والإبادة الجماعية لهم، تمتد منذ يشوع إلى شارون، مروراً بكل قادة إسرائيل.
"فسمع الرب لقول إسرائيل ودفع الكنعانيين محرموهم ومدنهم" (عدد 21/3).
"فضربوه هو وبنيه وجميع قومه حتى لم يبقَ له شارد وملكوا أرضه" (عدد 21/35).
"متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك... ودفعهم الرب إلهك وضربتهم فإنك تحرمهم... لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم" (تثنية 5/1-2/).
وإذا كان حجر الأساس، المبرر لكل هذه المفاهيم اللإنسانية هو الإيمان بفكرة التفوق، النابعة من مبدأ الاختيار الإلهي الذي يصنف الناس إلى فوق ودون، فإن التفوق الآري، المرفوض مبدئياً وتطبيقياً إن هو إلاّ تجلٍّ حديث للتفوق اليهودي القديم الحديث.
من التوراة إلى الحاخام كوهين في كتابه "التلمود الصادر عن Payot في باريت عام 1986، حيث يقول: "يمكن توزيع سكان العالم إلى قسمين: إسرائيل والأمم الأخرى مجتمعة. إن إسرائيل هي الشعب المختار: عقيدة رئيسية." إلى آخر تصريحات المسؤولين والحاخامات الصهاينة في إسرائيل وخارجها.
العلاقة التاريخية 1933-1942:
ستقتصر هذه الورقة، كما هو عنوانها على العلاقة الصهيونية - النازية بدءاً من عام 1933 (كانت هناك بعض المواقف اليهودية المخالفة، والتي لن نتناولها لسببين: أولاً تحديد الموضوع وضيق المجال، وثانيًا إنها لم تكن ذات فاعلية تذكر، ولم تفضِ إلى نتائج ذات أهمية في سير العلاقة وفي النتائج السياسية).
تتحدد أهم المحطات بالقائمة التالية:
30 يناير: وصول هتلر إلى المستشارية.
5 آذار: حصول الحزب النازي على أكثرية في البوندستاغ.
13 آذار: إعلان مقاطعة ألمانيا من قبل المجلس اليهودي الأميركي.
1 نيسان: الرد الألماني عبر إصدار تشريع غير الآريين.
7 نيسان: تشريع إعادة تنظيم الوظائف العامة.
نيسان: رحلة تتشلار منفلستين إلى فلسطين.
21 حزيران: صدور ميموراندوم.
14 تموز: صدور قانون الجنسية.
7 آب: توقيع اتفاق الهعفارا.
30 آب: اعتراض الجمعية المركزية.
أكتوبر 33: افتتاح خط بحري مباشر بين هامبورغ وحيفا لنقل المهاجرين بإشراف حاخامية هامبورغ.
لم يكن تعيين هتلر في منصب المستشارية كافياً لسيطرة سياسة حزبه إلا بعد حصول الحزب على أكثرية في البوندستاغ في 5 آذار 1933، وبعد ذلك بثمانية أيام فقط، (40 يوماً من وصوله هو) طرح جوزيف توننبوم أحد قادة المجلس اليهودي الأميركي مقاطعة ألمانيا، ولم تكن الفكرة جديدة كونها طرحت أيضاً قبل ذلك بعامين. وظهرت تلبية سريعة للفكرة في بريطانيا حيث ظهرت على واجهات المحلات شعارات مقاطعة للبضائع وللسياح الألمان. لكن رئيس اتحاد صهاينة ألمانيا، ورئيس الجمعية المركزية للألمان ذوي الديانة اليهودية، أعلنا معارضتهما لسياسة المجلس اليهودي الأميركي، وخرجت مظاهرات ترفع هذا الاحتجاج في ألمانيا، لتقابلها في اليوم التالي مظاهرات أخرى في عدة مدن أميركية.
وردّ هتلر بطريقة تدريجية، أولاً بتنظيم يوم رمزي لمقاطعة المؤسسات التجارية اليهودية. لكنه لم يكن ينوي أكثر من ذلك، حرصاً على عدم التسبب فيما يضاعف الأزمة الاقتصادية في بلاده، وعندما تعرضت شبكة تيتز التجارية الكبيرة اليهودية للإفلاس، أمر بصرف قرض كبير لإنقاذها.
لكن مقاطعة البضائع الألمانية تنامت في الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بولونيا. وإزاء هذا التأزم كان هناك موقفان: موقف الجمعية المركزية لليهود والألمان ذوي الديانة اليهودية، برئاسة لودويج هولاندر الذي كان يرفض الصهيونية، ويرفض أية ادعاءات تقول أن اليهود عرق مختلف ويؤمن بالانتماء إلى الأمة الألمانية، ويعارض أية تدابير ضد ألمانيا؛ وموقف المنظمات الصهيونية، الذي تحدد علناً بصدور ميموراندوم 21 حزيران، عن المنظمة الصهيونية في ألمانيا (Z.V.F.D)، والذي يقول عنه المؤرخ فرنسيس نيقوزيا: "يبدو وكأنه يدعو إلى تعاطف مع نظام هتلر، ويطرح كون الصهيونية متوافقة مع مبادئه".
وقد جاء فيه: "لا تبني الصهيونية أي وهم حول صعوبة الوضع اليهودي، الذي يتمثل أساساً في بنية اجتماعية غير طبيعية، ووضع ثقافي فكري غير متجذر في تراث خاص، لقد استشرفت الصهيونية منذ وقت طويل، أن ظواهر تراجع وتخلف لم تتأخر عن الظهور بسبب الميل إلى الاندماج، وتعتقد الصهيونية بأن انبعاث الحياة القومية للشعب، الذي يحصل اليوم في ألمانيا، مع التشديد الذي يتم على جذوره المسيحية، وطابعه القومي، هو ما يجب أن يحصل داخل المجموعة القومية اليهودية، وبالنسبة للشعب اليهودي أيضاً: أن الأصل القومي، الدين، حس المصير المشترك، وحس فرادته وتفوّقه يجب أن تتخذ معنىً حاسماً في الوقت الذي يبنى فيه مستقبله... ونحن نعتقد أن ألمانيا الجديدة، تحديداً، هي التي تستطيع بفضل إرادة مصممة أن تجد حلاً لمسألة يجب أن تحل لدى سائر شعوب أوروبا... إن اعترافنا بالقومية اليهودية يقدم لنا أسس صداقة صادقة مع الشعب الألماني وحقائقه الواقعية القومية والعرقية. ولأننا تحديداً، لا نريد ولا نتمنى تخريب هذه المعطيات الأساسية (فنحن أيضاً ضد الزيجات المختلطة، ونريد الحفاظ على نقاء الجماعة) فإننا نرفض كل تداخل في المجالات الثقافية... ولبلوغ هذه الأهداف العملية. تأمل الصهيونية في الحصول على تعاون حكومة حتى ولو كانت معادية لليهود. ذاك أنه لا مجال للمشاعر في حل المسألة اليهودية، بل لمعالجة مشكلة حقيقية يهمّ حلها جميع الشعوب، وفي هذا الوقت الشعب الألماني خاصة... إن الدعاية لصالح مقاطعة ألمانيا، كما تتم الآن وبطرق مختلفة، هي في جوهرها دعاية مناهضة للصهيونية."
وإذا كانت تصريحات كثيرة مشابهة قد تلت هذا الميموراندوم، سنعرض لها في حينها، فإن روبرت ويلش كان قد كتب في افتتاحية "المجلة اليهودية" (جودش راندشو) يوم 4 نيسان 1933 (مجلة Z.V.F.D) "إن النازية تقدم فرصة تاريخية لإعادة تأكيد الهوية القومية اليهودية، وسيستعيد اليهود الاحترام الذي فقدوه بسبب الاندماج، وسيطلقون انبعاثهم القومي الخاص. إن اليهود مدينون لهتلر...".
في 7 نيسان، تم إقرار قانون إعادة تنظيم الوظيفة العامة بهدف إبعاد الخصوم من صفوف الجهاز الحكومي بدءاً بالشيوعيين. غير أن ما عرف بـ"الفقرة الآرية" كان يستهدف اليهود، ولكن التطبيق العملي لم يطلهم كثيراً لسببين:
1- أن عددهم كان قليلاً في الجهاز الحكومي.
2- تدخل جمعية قدماء المحاربين اليهود الذي أدى إلى استثناء جميع الذين قتل آباؤهم أو أولادهم في الحرب الأولى. وجميع اليهود الذين يعملون في خدمة الدولة منذ أول آب 1914.
وهكذا كان مصير القوانين التي تتالت بعدئذٍ حول: زيادة عدد الطلاب اليهود في المدارس أو بخصوص المحامين والأطباء أو الملكيات الزراعية أو المؤسسات الثقافية.
ولتكلل كلها بقانون الجنسية الذي حمل عنوان: "قانون إلغاء التطيبع والاعتراف بالمواطنة الألمانية" الذي كان يهدف إلى إلغاء التجنيس الحاصل بين 9 نوفمبر 1918 و30 يناير 1933. وكان يستهدف بشكل خاص يهود أوروبا الشرقية. لكن ذلك لم يؤثر في التصريحات الإيجابية من كلا الطرفين.
لكن: ما هي العلاقات السياسية التي كانت وراء هذه الإعلانات المؤيدة المتحمسة؟ ما الذي كان يدور في الخفاء بين النازيين والصهيونية؟ وتحديداً بين هؤلاء ومكتب الشؤون اليهودية في الاستخبارات الألمانية؟
رحلة منغلستين
في ربيع (1933)، التقى أربعة أشخاص في محطة برلين، ليستقلوا القطار إلى تريست، ومنها إلى ظهر الباخرة مارثا واشنطن، وهي باخرة كانت تحمل المهاجرين اليهود إلى فلسطين. الغريب في الأمر هنا يكمن في تشكيلة الفريق. زوجان يهوديان "تتشلر"، مرسلان من قبل الاتحاد الصهيوني في ألمانيا، وزوجان نازيان، (فإن ميلغن) مرسلان من قبل أجهزة الحكومة النازية. أما هدف هذه الرحلة التي دامت ستة أشهر، فقد كان القيام بتحقيق كامل قدر الإمكان، حول إمكانيات توطين يهود ألمان في فلسطين. ويتفق معظم المؤرخين على أنه لم تكن لأدولف هتلر أية سياسة متكاملة محددة حول المسألة اليهودية، حتى ليلة الكريستال المشهورة ليلة 9/10 نوفمبر 1938، وذلك رغم تصريحاته المبدئية ورغم بعض التدابير الخاصة من مثل مقاطعة اليهود الألمان اعتباراً من أول أبريل 1933، وإقرار تشريع حول غير الآريين، بعد ذلك بأسبوع.
هذا الموقف غير المحدد ترك الحرية شبه الكاملة لمكتب الشؤون اليهودية في الاستخبارات الألمانية (S.S) لتجريب مختلف السياسات الممكنة. وفي سياق ذلك جاءت رحلة البارون ليود بولد التي نسيت كلياً اليوم. وذلك رغم أن ميلغنستين لم يكن شخصاً هامشياً أو غير جاد. فهو عضو في (N.S.D.A.P.) وضابط كبير في الأجهزة السرية. كما أنه كان قد سبق وكلّف قبل عام (1933) بتقديم تقرير دقيق حول الهجرة اليهودية باعتبار أن الحكومة لم تتوصل إلى حل مرضي إلى هذه القضية. مما مكن الاستخبارات من أن تمتلك، وقبل سواها من أجهزة السلطة، عناصر ملموسة ودقيقة جعلتها تمسك بزمام المسألة اليهودية من عام (1934) إلى عام (1936) باعتبارها التنظيم الوحيد الذي يمتلك معلومات دقيقة حول هذا الموضوع. كان ميلغنستين مهندساً ولد في براغ عام (1902)، واهتم منذ مرحلة الدراسة، بالمسألة اليهودية، وشارك في اجتماعات الفئات اليهودية المختلفة. ثم التحق بصفوف الاستخبارات الألمانية باعتباره واحد من الخبراء النابغين في موضوع اليهودية وكصهيوني متحمس، كان من أول من رأوا أهمية وجود المنظمات الصهيونية، وخاصة المراجعة منها، داخل صفوف المجموعة اليهودية.
كتب ميلغنستين في حينه سلسلة من اثنتي عشرة مقالة موثقة تماماً، تحت عنوان "نازي يترحل في فلسطين"، وذلك في الصحيفة البرلينة اليومية Der Angriff التي كان يشرف عليها الدكتور غوبلز. وفي هذه المقالات يعرب عن إعجابه الشديد بالصهيونية وبالروح الرياضية لدى المستوطنين اليهود الأوائل. ويخلص إلى استنتاج مفاده "أن الوطن القومي لليهود في فلسطين سيكون علامة على وسيلة لشفاء جرح قديم يعود إلى عدة عصور هو: المسألة اليهودية". وقد ضربت، تخليداً لذكرى هذه الزيارة ميدالية خاصة بطلب من غوبلز شخصياً وكانت تحمل على أحد وجهيها إشارة السويستيكا (أي الصليب المعقوف) وعلى الوجه الآخر نجمة داود. بعد ذلك ببضعة أشهر، عين ميلغنستين في قسم الشؤون اليهودية في وزارة الأمن النازية. وذلك ليقوم بدعم أكثر فعالية لجهود الصهانية المتعلقة بالهجرة. "لقد أصبحت أجهزة الاستخبارات، كما كتب برنا، الجزء الأكثر صهيونية في الحزب النازي. في حين كان النازيون الآخرون يتحدثون عن ضعفها إزاء اليهود. وقد ازداد حماس البارون فان ميلغنستين للقضية الصهيونية بعد زيارته إلى فلسطين. مما دفعه إلى دراسة العبرية وجمع الأشرطة الناطقة بهذه اللغة. وأصبح على رأس الدائرة اليهودية في جهاز الأمن النازي وعندما قام صديقه (اليهودي) كورت توتشلر، الذي رافقه إلى فلسطين، بزيارته في مكتبه الجديد عام (1934)، استقبله وفق الطقوس الفلكلورية التقليدية اليهودية. وكانت على جدران مكتبه خرائط تبين التطور السريع للصهيونية في ألمانيا."
ومن سخرية القدر أن ميلغنستين هو الذي عين أدولف ايخمن في قسم الشؤون اليهودية في جهاز الأمن. وعندما جرت محاكمة ايخمن في إسرائيل بعد ذلك بسنوات، باعتباره "منظم الحل النهائي"، كان عليه أن يشهد "بأن ميلغنستين كان رجلاً معتدلاً ومنصفاً مخلصاً في جهوده لإيجاد حل عادل للمسألة اليهودية".
على إثر هذه الرحلة وإثر مناقشات عديدة أعلنت صحيفة الأجهزة السرية (Das Schwarze Korps) رسمياً دعمها للصهيونية. "لم يعد بعيداً الوقت الذي تصبح فيه فلسطين قادرة على استقبال أبنائها الذين فصلوا عنها أكثر من ألف عام وترافقهم تمنياتنا الطيبة وتمنيات الدولة".
كان هذا التطور في العلاقة، مترافقاً مع تطور تفاقم الحصار الاقتصادي الدولي على ألمانيا، مما ولّد فكرة مقايضة كسر المقاطعة مقابل تفعيل وتنظيم الهجرة إلى فلسطين، هذه الفكرة التي أودت في النهاية إلى ما يعرف باتفاق الهافارا.
البداية كانت فكرة لسام كوهين مدير شركة المستوطنات (هانوتا) في فلسطين، عرضها على قنصل ألمانيا هنريتش وولف، لتحقيق "فائدة مزدوجة" للطرفين. تقضي بأن تقوم الشركة بكسر الحصار الاقتصادي على ألمانيا، مقابل تنظيم هذه الأخيرة لهجرة اليهود إلى فلسطين، لا إلى مكان آخر، بحيث يودع المهاجرون أموالهم في ألمانيا فتشتري بها هانوتا بضائع ومعدات زراعية، ليس فقط للمستوطنات وإنما لإغراق السوق العربي، وتعيد للمستوطن ما أودع مستفيدة هي من الأرباح. وعندما وافقت ألمانيا، أعلنت المنظمة الصهيونية العالمية موافقتها على المبدأ لكنها أسفت لأن الاتفاق عقد مع شركة خاصة. ودار خلاف أنهاه الألمان بأن جمعوا سام كوهين ومساعد له في هانوتا، مع مندوب اتحاد صهاينة ألمانيا، وشخصين قدما من فلسطين هما مدير البنك الانكلو فلسطيني ومدير الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية أرتور روبين، وانتهى الأمر باضطرار كوهين للتنازل وتأسيس وحدة تحت إدارة اليعازر هوفمن وذلك بعد تدخل حاييم أرلوزوروف مبعوث بن غوريون، الذي يؤكد توم سيغيف أنه ذهب للتمهيد للاتفاق وعاد قبل توقيعه ليغتال على يد الصهاينة المراجعين.
وفي يوم 7 آب 1933 تم التوقيع الرسمي على الاتفاق، في وزارة الاقتصاد الألمانية من قبل ممثلي الوكالة اليهودية، وارتور روبين ممثلاً المنظمة الصهيونية العالمية من جهة، ومسؤول كبير في الرايخ الثالث من الجهة الأخرى. وبعد تبادل الرسائل الرسمية بين الطرفين أنشئت لهذا الغرض شركة باسم بالترو في برلين، وأخرى باسم هافارا كومباني في تل أبيب. كما أنشئ خط بحري مباشر بين مينائي هامبورغ وحيفا، بإشراف حاخامية هامبورغ، استطاع أن يؤمن من عام 1933 إلى عام 1939 هجرة ستين ألف يهودي أي 10% من الطائفة (73% كانوا يفضلون أوروبا الشرقية/ حتى عام 1938/) ونقل 140 مليون دولار، وذلك باعتراف الياهو بن اليسار، وفيلسنفيلد الذي كتب يقول: "كان للنشاط الذي حركته الهافارا الأثر الأكبر على تطور البلاد، بل إن عدداً من أهم المصانع والشركات الآن يدين بوجوده لها."
ويمكن فهم ذلك إذا ما عرفنا أنه كان على كل مهاجر أن يودع مبلغ ألف ليرة سترلينية على الأقل في حساب خاص في برلين (أي ما يساوي دخل أسرة بورجوازية لمدة ثلاث سنوات) كما يسمح له بإرسال بضائع تساوي قيمتها 20 ألف فرنك.
كان التعاون الألماني الصهيوني يستند إلى اتفاق موقع في آب (1933)، باسم اتفاق "هَعْفارا" (الترانسفير)، عقد إثر عدة اجتماعات بين الحكومة الألمانية وحاييم آرلوزوروف الأمين العام للوكالة اليهودية، وهي الفرع الفلسطيني للمنظمة الصهيونية العالمية. وبموجب هذا الاتفاق أنشأت شركتان: Havara Company في تل أبيب وBaltreu في برلين. وكان كل مهاجر يهودي ألماني يودع ألف ليرة استرلينية على الأقل في حساب خاص في ألمانيا (1000)، هي المبلغ الذي يشترطه الانجليز للسماح بالإقامة في فلسطين، وكان يشكل تقريباً دخل أسرة برجوازية ألمانية لمدة ثلاث سنوات. كما يسمح بإرسال بضائع تساوي قيمتها عشرين ألف فرنك وأحياناً أكثر، عن طريق البحر.
هذا المال المودع في برلين كان يستعمل لشراء (بضائع ألمانية، آلات، أدوات، مضخات، مواد بناء، أسمدة... الخ) تنقل إلى فلسطين لتعيد شركة يهودية في تل أبيب بيعها هناك. أما دخل هذه المبيعات فيستعمل لتمويل اليهود الذين يصلون إلى فلسطين. كانت مصلحة ألمانيا في ذلك تتمثل في كون الصهاينة يقومون بخرق الحصار ضد البضائع الألمانية ويقومون بتوزيعها بأنفسهم، كما تتمثل مصلحة هؤلاء في الخروج من العزلة وفي إجبار المهاجرين على الذهاب إلى فلسطين دون سواها.
ناقش المؤتمر الصهيوني المنعقد في آب عام 1933، في براغ، موضوع الهافارا مناقشة طويلة بحضور مندوبين ألمان. رفضت خلالها المنظمة الصهيونية العالمية اقتراحاً بالمساهمة الفعالة في الحصار المفروض على ألمانيا. وأحيل اتفاق الهافارا إلى المؤتمر الصهيوني التالي المنعقد في آب وأيلول (1935) في سويسرا، حيث تمت الموافقة عليه وتصديقه: وفي مؤتمر لوسيرن انتقل نظام الهافارا إلى الرقابة المباشرة للجنة التنفيذية الصهيونية، من ضمن نقل جميع العمليات التي كانت حتى ذلك الحين مناطة بالبنك الانغلو- فلسطيني. وقد سمح للمنظمة الصهيونية العالمية بفتح مراكز تدريب مهني وزراعي للمرشحين للهجرة في ألمانيا. كما نظمت دروس بالعبرية في المدن الكبرى وأصدرت صحيفة صهيونية باسم (Judishe Rundschau) مهمتها إيصال الخطاب الصهيوني إلى الأسر والمنازل. ولم تتوقف الهافارا عن العمل مع إعلان الحرب. والمهم أن ما ظل مجهول حتى الآن هو أن عدة دول أخرى قد قلدت نظام الهافارا، من مثل بولونيا عام 1937 تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وإيطاليا عام (1939).
كانت أعمال الهافارا، في معظمها، عبر شركات تأمين قائمة في ألمانيا وفي فلسطين. فقبل ترك ألمانيا، يودع المهاجر اليهودي أمواله لدى شركة تأمين ألمانية، تقوم بدورها باستعمال هذه الأموال في شراء التجهيزات والبضائع الألمانية وإرسالها إلى فلسطين. ومن ثم يقوم الزبائن الذين نظموا طلبيات هذه البضائع الألمانية في فلسطين، بدفع أثمانها إلى شركة تأمين محلية، تعيد إلى المهاجرين اليهود الواصلين من ألمانيا المبالغ التي دفعوها هناك. كان النظام معقداً وثقيلاً، لكنه مربح بالنسبة لجميع الفرقاء: فالرايخ يتخلص بواسطته من يهوده، ويكسر الحصار الذي فرضته عليه المنظمات اليهودية الأمريكية، ويشغل مصانعه. في حين أن الصهاينة أنفسهم يتمكنون بواسطته من اختيار نخبة اليهود الصهاينة لإرسالهم إلى فلسطين كهدف إلزامي. ذاك أن الصهاينة كانوا قد تصدوا عدة مرات لمنع إمكانيات هجرة يهود ألمانيا وأوروبا الشرقية عندما لم يكن البلد المقصود هو فلسطين. وبتلك الطريقة تم نقل حوالي مئة وثلاثين مليون دولار، وهو مبلغ ضخم ساعد في التنمية الاقتصادية للدولة العبرية فيما بعد. كما وصل عدد اليهود الذين هاجروا من ألمانيا بي (1933) و(1939)، بفضل نظام الهافارا، إلى 60 ألف يهودي أي حوالي 10% من مجموع يهود ألمانيا. و15% من مجموع يهود فلسطين عام (1939). وكانت هذه الهجرة تتم في ظروف ممتازة. حيث يروي توم سيغيف مثلاً أن المهاجرين اليهود الذين صرفوا من أعمالهم، ظلوا يتقاضون تعويضات البطالة من صندوق مالية الرايخ الثالث حتى وهم موجودون في فلسطين.
لم تكن الوكالة اليهودية المسؤولة عن الهجرة إلى فلسطين والتي يسيطر عليها الصهاينة تهتم بالوضع الصعب الذي يعيشه يهود ألمانيا، بل أن اهتمامها كان ينصب على إمكاناتهم وقدرتهم على العمل... الخ: "أن المادة البشرية القادمة من ألمانيا تصبح أسوأ فأسوأ- تعلن الوكالة اليهودية مستنكرة في عام (1934)- ليس لديهم الرغبة في العمل ولا الكفاءة، وهم بحاجة إلى مساعدة اجتماعية." كذلك يذكر توم سيغيف أن المنظمة "أرسلت عام (1935) إلى برلين قائمة بأسماء الأشخاص الذين يتوجب ألا يسمح لهم بالذهاب إلى فلسطين". كما يكشف سيغيف عن أن مسؤول العمل الاجتماعي في الوكالة اليهودية قد طلب عدة مرات أن تعاد بعض هذه "الحالات" من المرضى أو المحتاجين إلى ألمانيا النازية كي لا تصبح عبئاً على (اليوشفيم) أي مجموعة الرواد. كما أن الوكالة اليهودية اشتكت من استقبال عدد كبير من رجال الأعمال الذين لديهم أطفال في حين أنه يجب إعطاء الأفضلية للعازبين. وفي عام (1935) تقرر أن تعطي أذونات الهجرة بحيث "لا يكون هناك أي مجال للشك بأن هؤلاء المهاجرين يمكن أن يشكلوا عبئاً على البلاد (..) وكل من ينصرف إلى التجارة أو إلى أي نشاط آخر لا يتلقى أذن الهجرة بأي حال من الأحوال، إلا إذا كان أحد الصهاينة المتحمسين".
ومن عام (1933-1935) رفضت المنظمة الصهيونية العالمية ثلثي طلبات الهجرة التي قدمها يهود ألمانيا، مفضلة إعطاء الأولية وبشكل منهجي، للشباب، ويصف بريل كازنيلسون صاحب جريدة دافار الصهيونية العمالية هذا "المعيار المجرم الذي تبنته الصهيونية" بقوله: "لقد كان يهود ألمانيا متقدمين في السن مما لا يسمح لهم بإنجاب أطفال في فلسطين، كما أنهم لم يكونوا يملكون المهن والحرف التي تساعد في إنشاء مراكب صهيونية، إضافة إلى أنهم لا يتحدثون العبرية وليسوا صهاينة. وبدلاً من هؤلاء اليهود المعرضين للإبادة استقدمت المنظمة الصهيونية العالمية ستة آلاف شاب من الذين تلقوا تدريبات محددة في الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا ودول أخرى ليس فيها أي خطر. بل أن الأسوأ من ذلك أن المنظمة الصهيونية العالمية لم تكتف بعدم البحث عن أي مبادرة لإنقاذ يهود ألمانيا، بل أن مسؤوليها قد عارضوا بشكل قاطع جميع الجهود التي كانت ترمي إلى إيجاد ملجأ لليهود الهاربين."
مما يلتقي مع ما أورده روجيه غارودي عن كتاب بار زوهار: "بن غرويون النبي المسلح" من أن رودولف كاستنر فاوض ايخمن على أن يسهل هذا الأخير هجرة 1684 يهودياً نافعاً إلى إسرائيل مقابل إقناع كاستنر لـ46 ألف يهودي هنغاري بأن نقلهم إلى أشويتز مجرد تغيير لمحل الإقامة.
كما يؤشر إلى الفضيحة التي حصلت أثناء محاكمة ايخمن حيث طالب القاضي بمحاكمة كاستنر لأنه تدخل في نورنبرغ بشهادة كاذبة لإنقاذ أحد محاوريه من النازيين ولأنه أخفى أن تدخله كان باسم الوكالة اليهودية والمجلس اليهودي العالمي.
وفي 14/7/55 كتب الدكتور موشي كارين في هاآرتس مطالباً بتجريم كاستنر لكن يدعوث احرونوث كانت قد أوضحت: "إذا حوكم كاستنر فإن الحكومة كلها ستتعرض للانهيار، نتيجة لما ستكشف عنه هذه المحاكمة. وانتهى الأمر باغتيال كاستنر على سلم قصر العدل. ثم أصدرت المحكمة حكماً ببراءته.
قوانين نورنبرغ
بعد النشاط المتسارع في تطبيق الهافارا، وفي عام 1934 كتب الحاخام جوهاتسيم برينز، الذي أصبح فيما بعد نائباً للمنظمة الصهيونية العالمية محيياً "الثورة الألمانية" قائلاً: "نريد استبدال الاندماج بقانون جديد: الاعتراف بالانتماء إلى العرق اليهودي والأمة اليهودية. إن أمة مبنية على نقاء العرق لا يمكن إلا وأن تكون محترمة ومؤيدة من قبل اليهودي، الذي يعلن انتماءه إلى شعبه الخاص وإذ يعلن أنه كذلك فلا يمكنه بالتالي أن يدين بالولاء والانتماء لدولة. هذه الدولة لا تريد يهوداً إلا أولئك الذين يعلنون انتماءهم إلى أمتهم الخاصة، لا تريد يهوداً مادحين وزاحفين. عليها أن تطلب منا الإيمان والولاء لمصالحنا الخاصة. لأن الذي يمجد أصله ودمه هو وحده الذي يستطيع أن يحترم ويمجد الإرادة القومية للأمم الأخرى."
هذه الرغبة، لبـّتها في العام التالي 1935، قوانين نورنبرغ، وهي القوانين الثلاثة المعروفة بـ:
قانون علم الرايخ
قانون المواطنة
قانون حماية الدم والشرف الألمانيين.
وأول ما يلاحظ أنه قد حرم على اليهود رفع علم الرايخ، لكنهم كانوا الجماعة الوحيدة التي سمح لها برفع علمها الخاص. كما يلاحظ أن قاسماً مشتركاً جمع بين رؤية هتلر، والألمان، والصهاينة لهذه القوانين.
فحيث نقلت صحيفة الحزب النازي أن الفوهرر التقى مسؤولي الحزب ليوضح لهم أن هذه "القوانين القومية الاشتراكية تمثل الطريقة الوحيدة لإقامة علاقات مقبولة مع اليهود... وتقدم لهم في كل مجالات حياتهم القومية (فولكش) إمكانيات لم تتوفر لهم في أي بلد آخر.". كما نجد مؤرخاً إسرائيلياً (ديفيد بانكييه) يؤكد على أن الألمان أيدوا هذه القوانين لأنها "تتناغم مع السياسة العنصرية" و"تثبت حدوداً للأنشطة اللاسامية". وكذلك يؤكد سول فريدلاندر أن اليهود الألمان اعتقدوا أن هذا التشريع الجديد سيرسي بنية معترفاً بها... وتنشئ قاعدة جديدة للعلاقة بين الشعب الألماني واليهود الذين يعيشون في ألمانيا."
وفي 26 أيلول صدرت (دار شورازكوربس) جريدة الأجهزة السرية لتقول: "إن الاعتراف بالمجموعة اليهودية كجماعة عرقية تقوم على الدم لا على الدين تقود الحكومة الألمانية إلى ضمانة الوحدة العرقية لهذه الجماعة. وتجد الحكومة نفسها على اتفاق تام مع الحركة الكبيرة لهذه الجماعة التي تسمى الصهيونية، التي تعترف بتضامن جميع يهود العالم ورفضها لأي مفهوم اندماج. وعلى هذا الأساس تتخذ ألمانيا المبادرة إلى تدابير ستلعب بكل تأكيد دوراً ذا دلالة في حل المسألة اليهودية في العالم."
لتأتي ردود فعل الصهاينة الألمان أكثر حماساً فنجد (جودش راندشو) تنشر في اليوم التالي (17 أيلول) افتاحية حماسية جاء فيها: "إن ألمانيا... تستجيب لمطالب المؤتمر الصهيوني العالمي إذ تعلن أن اليهود المقيمين حالياً في ألمانيا هم أقلية قومية. ففي حال الاعتراف باليهود كأقلية قومية يصبح من الممكن من جديد إقامة علاقات طبيعية بين الأمة الألمانية والأمة اليهودية. وتقدم القوانين الجديدة للأقلية اليهودية الفرصة لأن تعيش حياتها الخاصة... باختصار يمكن للشعب اليهودي أن يكون مستقبله الخاص في كل مظاهر حياته القومية... والمشروع الذي يمضي من حالة الطائفة إلى حالة الأمة سيحظى بالتشجيع، كما ستقدم المساهمة لإرساء علاقات فضلى بين الأمتين".
كذلك تبنت مجلة دايراسرائيليت مجلة الهيود الأرثوذوكس الموقف نفسه وعبرت عن تأييدها المطلق لمنع الزيجات المختلطة. (19 أيلول 1935).
وفي المقابل كانت صحيفة داز شوارسكوبس قد نشرت افتتاحية يوم 15 آذار 1935 جاء فيها: "لم يعد بعيداً الوقت الذي تستطيع فيه فلسطين أن تستقبل أبناءها الذين فصلوا عنها طيلة أكثر من ألف سنة. فلترافقهم تمنياتنا الطيبة، وحسن نية الدولة." وبعد شهرين كتب هيدريش في الصحيفة نفسها: "يدعو الصهاينة إلى مفهوم عرقي تماماً. ويساعدون عبر الهجرة على بناء دولتهم اليهودية الخاصة، إن تمنياتنا الطيبة وحسن نيتنا الرسمية معهم."
كذلك عبّر المنظر العرقي الفرد روزنبرغ عن دعمه الكامل للصهيونية، في حوار مع صحيفة L'echo de Paris عد 30 أيار 1935. حيث كان مسؤولو الرايخ ينتظرون من الصهاينة تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. وفي هذا يورد فرانسيس نيقوزيا، ما كتبه هانزل مريدنثال رئيس اتحاد صهاينة ألمانيا: "كان الغستابو يعمل كل ما في وسعه لتشجيع الهجرة، خاصة باتجاه فلسطين. وغالباً ما كنا نتلقى مساعدته عندما كنا نحتاجها لدى حكومات أخرى بهدف تشجيع الهجرة."
وفي السياق ذاته حمل جورج لاندور، أحد موقعي الهافارا، رسالة من بن غوريون مؤرخة 21 يناير 1935 تحمل تفويض الوكالة اليهودية له لمناقشة قضايا التدريب المهني للمرشحين للهجرة. وكان هناك حتى ذلك التاريخ أربعين مركز تدريب مهني وزراعي تعمل على ذلك. وبأمر من هيدريش وضعت مزارع تحت تصرف الصهاينة ونظمت دروس بالعبرية في عدة مدن."
وربما يكون لذلك علاقة بالمعايير الانتقائية التي حرصت عليها الوكالة اليهودية في منع أذونات الهجرة بعد أن اشتكت عام 1933 من أن "المادة أو البضاعة البشرية الواردة من ألمانيا تسير من سيء إلى أٍوأ."
وبعد أن احتجت هنرييتا سزولد التي كانت تدير وحدة العمل الاجتماعي في الوكالة على وجود المرضى والمحتاجين بين المهاجرين. ومن حين لآخر كانت تطالب بإعادة بعض هذه "الحالات" إلى ألمانيا كي لا يصبحوا عالة على اليشوف." (توم سيغيف)
في الوقت ذاته، أي بداية 1935 عين مندلستين أدولف ايخمن مسؤولاً عن العمل على الصهاينة في حين كلف شرودر بالعمل على اليهود المندمجين. ويؤكد المؤرخ هينز هوهن أن ايخمن لم يكن لاسامياً بل كان في أسرته يهود وكان يعاشر فتاة يهودية، ويدين بموقعه في عالم المال لليهود. وأنه عكف على دراسة الحركة الصهيونية واللغة العبرية بعد تعيينه، وكتب عام 1936 رسالة حول المنظمة الصهيونية العالمية. وكانت الأجهزة السرية ما تزال مقسومة إلى فرعين (S.D) والغستابو، تجمعهما رئاسة هيدريش مما ترك لايخمن هامشاً من حرية التصرف.
أما مندلستين (رئيسه) فكان يعلن تعاطفه العميق مع الصهيونية وازدراءه للاسامية جوليوس سترايشر، وقد "قام- كما يقول توم سيغيف- بنشر الصهيونية لدى الجمهور الألماني، وكان ينقل معلومات لتاتسلار (المسؤول الصهيوني الذي رافقه إلى فلسطين) حتى بعد استقرار هذا الأخير في فلسطين. وعندما ترك مندلستين الجهاز السري (S.D) عام 1936 حل محله ديتر ويزلسنسي الذي لم يكن أقل تعاطفاً مع الصهيونية.
لكن التطور الخطير، الذي يحاول التاريخ الرسمي طمسه هو ما حصل في نهاية 1937 وما أورده توم سيغيف تفصيلاً في كتاب "المليون السابع" حيث قام عضو بارز في الحزب النازي هو أوتو فون بودلشوينغ، صديق مندلستين، والمفاوض السابق في حيفا، بلفت نظر القسم الثاني في الأجهزة إلى الأهمية التي يمكن أن يمثلها التعاون مع الهاغانا عبر يهودي ألماني استقر في فلسطين يدعى ريشرث، وهو على علاقة وثيقة بفوفيل بولكس أحد مسؤولي هذه المنظمة.
هكذا وجهت الدعوة إلى بولكس لزيارة برلين، حيث استقبله ايخمن يوم 16 شباط 1937. وأكد بولكس لمضيفه أن المسؤولين الصهاينة راضون تماماً عن السياسة التي تنتهجها الحكومة الألمانية والتي من شأنها تشجيع الهجرة. ووجه هذا المسؤول الإرهابي الدعوة لايخمن وهاجن لزيارة المستوطنات اليهودية في فلسطين. وعندما قدم ايخمن تقريره بذلك إلى رؤسائه قام فرانك سيكس باطلاع هيدريش عليه يوم 17 حزيران 1937 مقترحاً أعطاء ضمانات لبولكس تتمثل في "الضغط على المؤسسات التنظيمية القومية لليهود الألمان، كي تجبر المهاجرين اليهود على الذهاب حصراً إلى فلسطين وليس إلى أي بلد سواها."
وفي نهاية أيلول غادر آيخمن وهاجن مرفأ كونستانزا في رومانيا إلى حيفا يحمل الأول بطاقة صحفية منحها له صاحب صحيفة برليز ثاغيبلات اليهودي هانز لاشمان، والآخر، بطاقة طالب. دخلا حيفا عبوراً، وزارا جبل الكرمل ثم ذهبا إلى الاسكندرية فالقاهرة حيث حاولا العودة بإذن من القنصلية البريطانية للاجتماع بوفد الهاغانا، لكن الانكليز رفضوا إعطاءهما التأشيرة. وكان أن جاء بولكس إلى القاهرة وحصل الاجتماع في مقهى غروبي.
التيارات الأخرى داخل الحكم الألماني والعرب:
ولكن، هل كانت جميع التيارات داخل الحكم النازي مؤيدة للصهيونية؟ هل كان التأييد واضحاً لإقامة الدولة؟
إن رجلاً مثل بيلوشوانتي مدير ريفرات دوتشلاند، كان يعتبر أن إنشاء كيان يهودي في فلسطين ولو تحت السيطرة البريطانية، سيكون من شأنه تدعيم قوة المجموعة اليهودية العالمية.
وعندما علم عام 1934 أن مسؤولاً صهيونياً ألمانياً هو سيغفريد شيرن قد ذهب إلى باريس لإقناع جابوتنسكي بتخفيف الحصار اليهودي على ألمانيا، وجه رسالة مفصلة لوزارة الخارجية يحتج فيها على السماح لأوساط يهودية ألمانية بالاتصال بأوساط يهودية عالمية لمناقشة أمور داخلية في الرايخ الثالث لا يجوز أن تناقش مع جهات خارجية، وكانت رسالته تعكس تحفظاً عميقاً إزاء الصهيونية.
كذلك كانت هناك أطراف داخل الأجهزة السرية نفسها تعتبر "أن إعلان دولة يهودية، أو قيام فلسطين تحت حكم يهودي سيخلق عدواً جديداً لألمانيا. خصماً سيكون له تأثير كبير على مستقبل الشرق الأوسط" (تقرير أورده كارل شلونس) وأنه سيكون من شأن هذه الدولة أن تؤمن حماية خاصة للأقليات اليهودية في العالم، مؤمنة بذلك حماية شرعية لنشاط اليهودية العالمية."
جهة أخرى ثالثة كانت تعارض التقارب مع الصهيونية هي "المنظمة المكلفة بالخارج" في الحزب النازي التي أنشئت عام 1930، وحصّلت وضعاً رسمياً عام 1934، وكان من المؤثرات في موقفها، موقف الجالية الألمانية في فلسطين (غير اليهودية) التي كانت تنظر باستياء إلى قدوم الهجرة اليهودية. وكان أكثر ما يزعج هؤلاء الألمان غير اليهود اضطرارهم للمرور عبر (الهافارا تراست اند ترانسفير أوفيس) لإجراء معاملاتهم مع الوطن الأم. وزاد استياؤهم بعد ثورة 1936، عندما قسم الانكليز البلاد بين العرب واليهود والانكليز، ووجدت المستوطنات الزراعية الألمانية نفسها في مناطق اليهود. في حين كان أصحابها يرفضون أن يكونوا في الدولة العبرية المقبلة.
في هذه الأجواء جاءت محاولات العرب لثني الألمان عن تشجيع الهجرة اليهودية إلى بلادهم. وهنا لا بد من التوقف عند أمر طالما بدا مثيراً للجدل، وطالما استغله الصهاينة ضد العرب عبر شخص الحاج أمين الحسيني.
وهنا لا بد من سوق عدة حقائق: أولها أنه كان لا بد للحاج الحسيني وهو يقود النضال الفلسطيني من الاتصال بكل القوى الكبرى المؤثرة في الوضع الفلسطيني- الصهيوني، وخاصة الهجرة. وأن ألمانيا كانت قبل الحرب واحدة من هذه القوى، مثلها مثل بريطانيا أو فرنسا أو سواها. وثانيها أن هذه الاتصالات قد بدأت فعلياً حول اتفاق الهافارا... أي لوقف التعاون النازي- الصهيوني، ولم يكن الحسيني أول من بدأها.
لقد كانت أهم قوة عربية في حينها هي العراق - عضو الأمم المتحدة - وكان وزير خارجيتها يونس السبعاوي، من خريجي ألمانيا، يتقن الألمانية، وهو من ترجم كفاحي إلى العريبة ولذلك اعتقد أن بإمكانه أن يتدخل بشكل أكثر فعالية. استدعى السبعاوي سفير ألمانيا لدى بغدا وأبلغه احتجاج بلاده على اتفاق الهافارا ورغبتها في وقفها. ورغم أن السفير وعد خيراً إلا أن شيئاً لم يحصل.
بعد ذلك عقد مؤتمر بلودان في سوريا، وضم مئتي مندوب عربي، بحثوا التورات في فلسطين وكان من بين ما تناولوه اتفاق الهافارا.
إثر ذلك قرر الحاج أمين الحسيني التدخل، فبادر إلى استدعاء القنصل الألماني في القدس، ثم أوفد مساعده يونس بحري، وبعده موفد آخر، تتالت الاتصالات، لكن جميع وعود وقف الهافارا لم تنقذ. وحيث كان هناك- كما ذكرنا- تياران داخل الإدارة الألمانية بخصوص إقامة دولة يهودية في فلسطين، فقد شجع التيار المعارض لهذا المشروع الحاج أمين، كما حاول هو أن يراهن على هذا الجانب، في محاولة لا مجال هنا لتناول جميع تطوراتها.
انقلاب غوبلر- ليلة الكريستال
لكن سياسة الهجرة هذه تعرضت لضربة كبيرة، تاريخية، عام 1938، على يد متطرفي الحزب بقيادة غوبلز، مما يمكن أن نطلق عليه: "انقلاب غوبلز" لأن المؤرخ الألماني هينز هوهن يرى في اندلاع العنف ذاك "تمرداً من صفوف الحزب على الدور المهيمن للأجهزة السرية في سياسة الرايخ الثالث اليهودية." مضيفاً أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن غوبلز، معتمداً على سترايشر لم يستشر لا هيدريش ولا هملر. وأن هتلر نفسه وجد نفسه أمام الأمر الواقع.
لقد استغل غوبلز إقدام يهودي بولوني شاب على اغتيال الملحق الثقافي في باريس، احتجاجاً على إجراءات ترحيل اليهود البولونيين من ألمانيا، ليفجر ليلة 9-10 نوفمبر 1938 التي عرفت باسم ليلة الكريستال حملة عنف رهيبة ضد اليهود.
وجن جنون هملر ورؤسائه فمن أعلن عن رعبه من المجزرة" ومن أعلن أن "ألمانيا قد خسرت معركة أخلاقية" ومن عبر عن استيائه. الخ... وتدخل غورينغ لإعلان غوبلز مسؤولاً، بعمله الأرعن، عن الإساءة إلى سمعة ألمانيا في الخارج. ومن ثم أمر هتلر غوبلز بالتراجع وأوكل مسؤولية المسألة اليهودية إلى غورينغ وحده.
وفي حين فهم الجميع أن هذه العملية هي ضربة موجهة لسياسة الهجرة، حسم هتلر الأمر بأن وجه يوم 24 يناير 1939 الأمر إلى هيدريش باستئناف سياسة الهجرة، وبشكل أكثر منهجية وتنظيماً بعد إنشاء "الإدارة المركزية للهجرة".
وكان الوضع في فلسطين قد أصبح أصعب منذ 1938، وفي 17 أيار 1939 قررت الإدارة البريطانية منع اليهود من شراء الأراضي، لتقرر في أول أكتوبر وقف الهجرة.
لكن الهجرة من ألمانيا استمرت بشكل سري بفضل تعاون الأجهزة السرية مع الهاغانا، بقيادة الياهو كولومب الذي كان قد أسس منذ 1937 مكتباً للهجرة تحت اسم الموساد (اليابث)، وكانت الأجهزة الألمانية تزيد من دعمها لهذا المكتب كلما زادت السلطات البريطانية ضغطها عليه. وفي صيف 1939 منحت عميل الموساد بينو جينسبورغ الذي كان قد وصل إلى ألمانيا مع عميلين آخرين حق ترحيل اليهود بحراً إلى فلسطين من مينائي هامبورغ وايمدن. فوضع خطة، كانت تقضي بأن يشهد شهر أكتوبر 1939 هجرة عشرة آلاف يهودي إلى فلسطين. لكن الحرب اندلعت.
وقد كتب جبنسبورغ: "لقد كانت مكاتبنا أمام مكاتب الغستابو، وكانوا يعرفون تماماً من نحن، وماذا نفعل، ولم تكن اللامشروعية تبدأ إلا على شواطئ فلسطين.
ربما كان الأمر يقتضي التوقف هنا لولا محطة أخيرة هامة ومثيرة، تعود إلى ما بعد اندلاع الحرب، أي إلى عام 1941 وهي عرض التعاون الجديد المعروف بوثيقة أنقرة.
المعاهدة السرية بين عصابة شتيرن والرايخ الثالث
لا شك أن واحدة من أكثر الحقبات المثيرة للدهشة في التاريخ، ليس فقط في تاريخ الصهيونية المراجعة، بل أيضاً في تاريخ الحرب العالمية الثانية، هي عرض التحالف الذي قدمه المسؤولون الإرهابيون اليهود في عصابة شتيرن للمسؤولين القوميين الاشتراكيين في ألمانيا عام 1941 للقتال ضد الانجليز. وتستند هذه الحكاية، غير القابلة للتصديق، إلى وثائق وشهادات دقيقة جداً. وربما كانت ستبدو مجنونة أو هامشية لو أن اسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل اللاحق والمسؤول العسكري عن فريق شتيرن، لم يكن متورطاً فيها.
"لقد أقنعت التجهيزات العسكرية البائسة للإيطاليين في ليبيا واليونان، جماعة شتيرن، بأن إيطاليا لا تمتلك وسائلها السياسية، على عكس ألمانيا، التي كانت تحصد في سنة 1940 نصراً إثر نصر. هذه الانتصارات أثرت في جماعة شتيرن وجعلتهم يندفعون في مغامرة مجنونة دون مآل: بناء تحالف مع ألمانيا الهتلرية. وحتى شباط 1941، راحت تعمل على تحويل هذا الهدف إلى واقع ملموس مستندة إلى تحليل خاص لوضع اليهودية. فهي ترى أن بريطانيا العظمى هي العدو الحقيقي في حين أن ألمانيا ليست سوى قامع ينتمي إلى سلسلة المضطهدين الذي لاقاهم الشعب اليهودي في تاريخه الطويل. وهنا برز الخطأ الرئيسي لشتيرن: فهم يرون في النازية حركة تسيرها "لاسامية عاقلة" (تلك التي كان جابوتنسكي يسميها "لاسامية الأشياء")... لذلك لم يكن تفسير إرسال مندوب عن عصابة شتيرن هو نفتاسكي ليفونشيك إلى بيروت عام 1941، باجتماع باوتو فول هينكنغ، مسؤول قسم الشرق في وزارة الخارجية الألمانية، ينحصر في هدف براجماتي بحت: إنشاء جبهة موحدة ضد انجلترا. ذاك أن النص، وبعد أن يعلن "وحدة المصالح بين أهداف النظام الأوروبي الجديد بحسب الرؤية الألمانية وتطلعات القومية الحقيقية للشعب اليهودي"، يذكر فكرتين قويتين: "التعاون بين ألمانيا الجديدة والحركة العبرية القومية الشعبية الوليدة" عبر مساهمة هذه الحركة في الحرب إلى جانب الرايخ. "والحل الإيجابي الجذري لمشكلة اليهود الأوروبيين بترحيلهم المكثف إلى فلسطين وإنشاء دولة اليهود التاريخية على قاعدة قومية شمولية مع ربطها بمعاهدة مع الرايخ الألماني.
جبهة الرايخ- الصهاينة ضد الانجليز
منذ بداية 1941 عرض لوبنتشيك، وهو مبعوث سري من قبل جماعة شتيرن التي كان الانجليز يطلقون عليها اسم عصابة شتيرن بسبب اعتداءاتها الإرهابية المتكررة، هدنة عسكرية بين المنظمة العسكرية القومية (أي الأرغون التي لم يكن شتيرن إلا فصيلاً منشقاً عنها) وألمانيا. ورغم محاولة إسدال ستار الصمت على هذا الاتفاق إلا أنه بات معروفاً تماماً فقد حمل عنوان (نص أنقرة) ونقل إلى برلين في 11 كانون الثاني 1941 ليعثر عليه فيما بعد في أرشيف السفارة الألمانية في تركيا. وهذا نصه الكامل.
"لقد ألح رجال الدولة الرئيسيون في ألمانيا القومية الاشتراكية، دائماً، وفي جميع خطبهم وتصريحاتهم، على أن إرساء نظام جديد في أوروبا لا بد وأن يتضمن شرطاً مسبقاً هو الحل الجذري للقضية اليهودية عن طريق الترحيل. إن ترحيل جماهير يهود أوروبا هو المرحلة الأولى في حل القضية اليهودية. وفي كل الأحوال فإن الوسيلة الوحيدة لبلوغ هذا الهدف هي إسكان هذه الجماهير في وطن الشعب اليهودي، أي فلسطين وإقامة دولة يهودية ضمن حدودها التاريخية. إن هدف جميع سنوات النشاط السياسي وصراع الحركة من أجل حرية إسرائيل والتنظيم العسكري القومي في فلسطين هو حل المسألة اليهودية بهذه الطريقة وتحرير الشعب اليهودي إلى الأبد. والمنظمة العسكرية القومية التي تعرف حسن النية الذي أظهرته حكومة الرايخ الألماني وممثليها، إزاء الصهيونية، وإزاء البرنامج الصهيوني تطرح للعمل النقاط التالية:
1-هناك مصالح مشتركة بين النظام الأوروبي الجديد المبني على المفهوم الألماني، وبين التطلعات القومية الحقيقية للشعب اليهودي، كما تدافع عنها المنظمة العسكرية القومية.
2-ثمة تعاون ممكن بين ألمانيا الجديدة وبين جماعة يهودية متجددة وعائدة إلى جذورها.
3-إن إقامة الدولة اليهودية التاريخية على أسس قومية وشمولية، وارتباطها بمعاهدة مع الرايخ الألماني، يساهمان في حفظ وتدعيم الوجود الألماني في الشرق الأوسط.
على قاعدة هذه الاعتبارات، وفي حال اعتراف حكومة الرايخ الألماني بالتطلعات القومية لـ"الحركة، لأجل حرية إسرائيل"، فإن المنظمة العسكرية القومية في فلسطين، تعرض أن تساهم بجزء حيوي من الحرب إلى جانب ألمانيا. ويكن أن يتضمن هذا العرض نشاطاً عسكرياً، اقتصادياً، أو استخبارياً داخل فلسطين. –وبعض التدابير التنظيمية- خارجها. وبالمقابل يتم تدريب يهود أوروبا تدريباً عسكرياً ويتم تنظيمهم في وحدات عسكرية تحت إدارة وقيادة المنظمة العسكرية القومية. وي حال تحقق جبهة موحدة، تأخذ هذه الوحدات نصيبها في عمليات قتالية لاحتلال فلسطين. إن المساهمة غير المباشرة لـ"الحركة لأجل حرية إسرائيل" في النظام الأوروبي الجديد، الذي ما يزال في مرحلة تحضيرية، ستدعم بقوة الأسس الأخلاقية للنظام الأوروبي الجديد في عين الإنسانية جمعاء، إذا ما اقترنت بإمكانية إيجاد حل جذري للمسألة اليهودية في أوروبا على أساس التطلعات القومية للشعب اليهودي. كذلك فإن التعاون مع حركة تحرير إسرائيل سيكون متوافقاً مع خطاب ألقاه مؤخراً المستشار الألماني السيد هتلر، يؤكد فيه دعوته إلى جميع التحالفات التي تهدف إلى عزل انجلترا والانتصار عليها.
تتشكل المنظمة العسكرية القومية من مجموعة من القناصة اليهود في فلسطين ومن الحركة المراجعة (التنظيم الصهيوني الجديد) التي كان للمنظمة العسكرية القومية ارتباط وثيق وشخصي معها عبر شخص جابوتسكي، وحتى وفاته. لكن موقف المنظمة المراجعة في فلسطين المؤيد للانجليز جعل تجديد هذا الاتحاد الشخصي مستحيلاً. وأدى إلى قطيعة كاملة بين الاثنين في خريف هذا العام، وإلى استئناف المنظمة العسكرية القومية لنشاطها بعد هذا الانشقاق.
إن هدف المنظمة العسكرية القومية هو إقامة دولة يهودية ضمن حدودها التاريخية وعلى عكس جميع التيارات الصهيونية، ترفض المنظمة الفكرة القائلة بأن التسلل الاستعماري الاستيطاني هو الوسيلة الوحيدة لدخول البلاد وامتلاكها تدريجياً. كلمة السر لديها هي: القتال والتضحية، كوسيلة وحيدة لتحرير واحتلال فلسطين. ونظراً لطبيعتها العسكرية وموقفها المعادي للانجليز، والذي يجعلها عرضة للقمع الدائم من بل الإدارة الانجليزية، تجد المنظمة العسكرية القومي نفسها مضطرة لممارسة نشاطها السياسي بشكل سري وكذلك، الإعداد العسكري لأعضائها في فلسطين.
لقد تميزت المنظمة التي بدأت أعمالها المسلحة منذ خريف 1936 تميزت بشكل خاص اعتباراً من عام 1939، بعد نشر الكتاب الأبيض الانجليزي، وذلك بتكثيفها لنشاطها الذي تكلل بالنجاح، في إرباك ومقاطعة المحتل الانجليزي. مما جعل جميع وسائل الصحافة في تلك المرحلة، تورد نشاطها، وتشير إلى بث إذاعتها السرية اليومية، وتعلق عليهما.
وقد كان للمنظمة، حتى بداية الحرب، مكاتب سياسية مستقلة في كل من فارسوفيا، باريس، لندن، ونيويورك. وكان مكتب فارسوفيا يهتم بشكل رئيسي بالتنظيم العسكري وتدريب وبناء الشباب القومي الصهيوني. كما كانت تقيم علاقات وثيقة مع الجماهير اليهودية التي كانت تتابع نظامها بحماس، خاصة يهود بولونيا الذين كانوا يساعدونها بكل الوسائل الممكنة. كذلك أصدرت صحيفتين في فارسوفيا.
من جهة أخرى كان مكتب فارسوفيا يقيم علاقات وثيقة مع الحكومة البولونية ومع الدوائر العسكرية التي كانت تراقب بأكبر قدر من الاهتمام والتفهم جهود المنظمة العسكرية القومية. التي قامت عام 1939، بإرسال وحدات سرية من عناصرها من فلسطين إلى بولونيا. حيث كان ضباط بولونيون، يقومون بتدريبهم وبنائهم العسكري في مراكز تدريب خاصة. لكن المفاوضات التي كانت دائرة بين المنظمة والحكومة البولونية لأجل تطوير مساعدتها بشكل ملموس، توقفت مع بداية الحرب. وهكذا فإن المنظمة، وبطبيعة بنيتها ورؤيتها للعالم هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحركات الشمولية الأوروبية. أما شل قدرتها القتالية، فلم يكن ممكناً، في أي لحظة، وذلك بسبب تدابير الدفاع الجذرية، إزاء الإدارة الانجليزية والعرب وإزاء الشيوعيين اليهود."
للوصول إلى إنجاح هذه الوثيقة قامت جماعة شتيرن بعدة مناورات تقارب، لدى الفرد روزر، مسؤول أجهزة الاستخبارات العسكرية الألمانية، واتو فون هينغ عضو وزارة الخارجية الألمانية والذي كان يعتبر رئيس الأجهزة السرية في دمشق وعليه تم ترتيب لقاء سري مع هذا الأخير في بيروت. "لم يخف ممثل ألمانيا أوتو فون هينغ، عن المبعوث الصهيوني لوبنتشيك، بأن في بلاده تياراً مؤيداً لإقامة دولة عبرية في فلسطين وأن هذا يمثل حلاً عملياً للمسألة اليهودية. وعلى أية حال فقد كان يعتقد بأن هذا التيار قد أصبح ضعيفاً بحيث لم يعد قادراً على أن يؤثر إيجابياً على قرارات الحكومة وأنه، وفي جميع الأحوال، قد فات الأوان على العمل. فقد قررت هيئة الأركان أن تؤمن لنفسها، في صراعها ضد بريطانيا في الشرق الأوسط، مساعدة العرب الذين يعدون بالملايين، وذلك أفضل من مساعدة اليهود الذين لم يكونوا إلا حفنة صغيرة. لكنه، وبالرغم من كل ذلك، وعد بنقل العرض المقترح إلى برلين. دون أن يتلقى لوبنتشيك جواباً أبداً."
سر خبـّئ لمدة ثلاثين عاماً
في 11 كانون الثاني عام 1941، أرسل هذا العرض إلى السفارة الألمانية في أنقره، حيث وجد بعد الحرب. ولا يعرف ما إذا كانت السلطات الألمانية قد ردت عليه وما هي ماهية الرد. علماً بأن جماعة شتيرن قد أرسلت إلى فون هينغ مبعوثاً آخر هو نافان ياكين مور، مدير جريدة الأرغون وواحد من قادة شتيرن الثلاثة. لكنه اعتقل في سوريا، بعد الهزيمة الفرنسية في تموز 1941 بينما كان يحاول أن يصل إلى تركيا.
لقد حاول البعض التشكيك بصحة وجود هذه الوثيقة، إلى أن قام أحد زعماء شتيرن التاريخيين وهو إسرائيل الداد سناب، بتأكيد وجودها قائلاً بأن رفاقه قد أوضحوا للقوميين الاشتراكيين أن "تماثل المصالح بين نظام جديد في أوروبا مبني على الرؤية الألمانية وبين تطلعات الشعب اليهودي في فلسطين ممثلة بالمقاتلين لأجل حرية إسرائيل (ليحي) هو أمر ممكن". كذلك فإن صحيفة هآرتز، قد كشفت النقاب عن وجود وثائق سرية أخرى، ومنها رسالة موجهة في كانون الثاني 1941 من السفير فرانز فون بابيل إلى وزارته في ألمانيا حول الاتصالات مع فريق شتيرن، والتقرير الذي قدمه العميل السري وورنر أوتو فون هينغ. كما أن صحيفة حوتام الأسبوعية قد أكدت أخيراً أن هذه الوثيقة حملت توقيعي اسحق شامير وآبراهام شتيرن، وقدمت إلى سفارة ألمانيا عندما كانت جيوش رومل ما تزال في مصر. ويبدو أن اسحق شامير (الذي كان ما يزال يحمل اسمه الحقيقي، اسحق يزرنسكي) والذي أصبح يما بعد وزيراً لخارجية إسرائيل ومن ثم رئيساً لوزرائها، هو أحد الذين حرروا هذا العرض، وذلك بفعل موقعه في منظمة شتيرن.
ولد شامير عام 1915 في روزني، في بيلوروسيا، حيث كان أبوه قد أسس مدرسة لتدريس العبرية، وبسرعة التحق الابن بالنضال في صفوف الحركة المراجعة. وصل إلى فلسطين عام 1935، وفي العام التالي أصبح مدرساً عسكرياً في "خلايا العمل الصهيوني" في منطقة تل أبيب. ليصبح منذ 1940 أحد أقرب المقربين إلى آبراهام شتيرن. أما بخصوص هذه الوثيقة فقد اضطر شامير مؤخراً إلى الاعتراف بأنه كان على علم كامل بمشروع العرض المقدم للرايخ الثالث في عز فترة اضطهاد اليهود في أوروبا، لكنه أكد أنه كان معارضاً لهذا المشروع. غير أن تأكيده لا يقنع أحداً، كونه كان في تلك الفترة واحداً من القادة الرئيسين في المجموعة الإرهابية. وقد عمل باروخ نال، وهو باحث وكان عضواً في مجموعة شتيرن، ثم انفصل عنها، طويلاً على معرفة درجة تورط شامير في هذه المفاوضات وتوصل إلى أنه من المقنع قطعياً أنه كان على علم كامل بذلك. أما المؤرخ ليني برينر فيتحدث كذلك عن "أكذوبة رسمية ناضجة". بدليل أن شامير كان مكلفاً، ففي خريف 1941، من قبل شتيرن بتنظيم حملة مساعدة وجمع تبرعات لملء صناديق المنظمة والسماح بتنظيم رحلة لمبعوثيها إلى ألمانيا. ويبدو أن سياسة التعاون هذه لم تتوقف فور موت ابراهام شتيرن وتولي اسحق شامير القيادة. بل أن مصادفة تزامن هذا الانتقال مع حدوث منعطف حاسم في الحرب، جعل موضوع انتصار الرايخ الثالث موضع شك أكثر فأكثر، هي التي دفعت شامير إلى عدم لعب ورقة التعاون هذه، بصفته قائداً للمنظمة.
خلال عام 1941 أوقفت الشرطة البريطانية اسحق شامير، وفي 21 شباط 1942 قتل ابراهام شتيرن. في 1 أيلول من العام ذاته هرب شامير من معسكر ميزرا حيث كان معتقلاً، وأطلق الحركة من جديد تحت اسم (ليحي) (المقاتلون من أجل حرية إسرائيل). وبهذه المناسبة وكما هو التقليد في المنظمات الإرهابية، عمد شامير إلى إعدام ثلاثة من أعضاء المنظمة الذين لم يكونوا يتجاوزون العشرين: مسؤول الاستخبارات الذي اتهم بالتعاون مع البيطانيين، وعنصر هرب من القتال، وأفضلُ خبير في الاعتداءات اتهم بأنه بالغ التطرف وخارج عن السيطرة. وعندما أصبح شامير وزيراً للخارجية، أعاد الانجليز إلى الأذهان أنه كان منظم عمليتي اغتيال شهيرتين: اغتيال اللورد من المندوب العام البريطاني في مصر في 6 تشرين الثاني 1944 واغتيال الكونت فولك برنادوت الوسيط الخاص للأمم المتحدة في فلسطين في 17 أيلول 1948 أي بعد أن أصبحت إسرائيل دولة مستقلة.
في عام 1946 اعتقل شامير مرة أخرى، وذلك بعد عملية فندق داود في القدس، نقل إلى أسمره في آريتيريا ومن هناك هرب إلى جيبوتي في كانون الثاني عام 1947. لكنه أعيد إلى السجن إلى أن أطلق سراحه وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان الذي منحه اللجوء السياسي في فرنسا بطلب من المنظمات اليهودية المتطرفة هناك. وفي أيار 1948 ظهر شامير من جديد في الدولة الإسرائيلية الوليدة، حيث تابع تنظيم وتنسيق العمليات الإرهابية. إلى أن تم حل ليحي بأمر من بن غوريون بعد اغتيال الكونت برنادوت في 17 أيلول 1948. ويذكر أن يالين مور الذي كان المندوب الآخر لفريق شتيرن، كما ذكرنا، قد اعتقل بعد عملية الاغتيال المشينة هذه وحكم بثماني سنوات سجن بتهمة ممارسة الإرهاب. ولم يلبث أن صدر بحقه عفو في السنة التالية، إثر انتخابه عضواً في الكنيست. بعد ذلك وضع شامير معارفه في موضوع الإرهاب والخطف في خدمة الموساد، حيث أصبح منذ عام 1955 أحد أهم مساعدي عايزر هاريل رئيس الأجهزة السرية. وفي عام 1965 وهو تاريخ وصوله إلى التقاعد، كان رئيساً لمكاتب الموساد الخاصة بأوروبا. بعد أن تفرغ بضع سنوات لهذا العمل، التحق بحزب حيروت في عام 1970 ليباشر حياة سياسية متسارعة: ينتخب عضواً في الكنيست في كانون الثاني 1973 ثم يصبح رئيساً لها بعد ذلك بسنتين. ثم ناطقاً رسمياً باسمها عام 1977 قبل أن يحل محل موشيه دايان في وزارة الدفاع في آذار 1980..
حرص المنتصر على تثبيت روايته الرسمية للتاريخ. وحرص الذين تعاونوا بشكل أو بآخر مع المهزوم، على إخفاء هذا التعاون كي لا يلحقهم ما لحقه من تجريم، وكي يكون بإمكانهم الوقوف في مقدمة جوقة الاتهام والإدانة للإفادة من مكاسب الانتصار ودعم المنتصر.
وكون هذا الاتهام وهذه الإدانة، لم يقتصرا على الجانب الحدثي السلوكي في إدارة السياسة والحرب، وإنما تعدى ذلك بشكل أساسي إلى الايديولوجيا نفسها، فلا بد من البدء بمقدمة تقوم على مقارنة سريعة بين الايديولوجيتين الصهيونية والنازية (وتمر بالفاشية أيضاً)، قبل الدخول في عملية الاستعراض التاريخي للفترة الحرجة المحددة أعلاه. مع ملاحظة أن المقدمة، ولكونها ما هي لن تقدم إلا فكرة سريعة عن موضوع يحتاج الكثير الكثير من الإضاءات والكشف والتدقيق.
في كتاب بعنوان "un juif libre" صادر عام 1976 يقوم الباحث ميشال راشلين بمقارنة مقتطفات من كتاب كفاحي ومن التوراة، ليخلص إلى تطابقها.
وفي كتاب آخر بعنوان "’histoire du mechant Dieu" L صادر عام 1988 يتابع باحث آخر هو بيير غريباري المقارنة ذاتها ليخلص إلى القول: "شئنا أم أبينا، والنصوص هنا واضحة تماماً: أن قانون موسى هو قانون عرقي، بل إنه (وعلينا ألا نتردد في القول)، القانون الكلاسيكي الأكبر من هذا النوع، النص الأقدم، والأكثر عنفاً الذي يبشر بعرقية ايديولوجية تبدأ من المقاربات الأولى وحتى أقصى حدودها. صحيح أن البشر لم ينتظروا التوراة ليقتتلوا، ولكن ما من نص جعل المذابح فرضاً دينياً بسبب عدم نقاء عرق الآخر. فاليهودية هي حقاً العنصرية ذات الحق الإلهي."
وفي هذا يقول هانز ف.ك. غونثر: "إن وعي الدور- المهمة أو الرسالة لدى هتلر هو مشدود بقوة ذات طبيعة شرقية."؛ كما يقول ناحوم غولدمان: "ثمة هوية أساسية لدى الألمان النازيين واليهود هي مواجهة المصير المشترك كمهمة إلهية."
وعندما سئل المنظر العرقي جوليوس سترايشر في محكمة نورغبرغ، عما إذا كان قد شارك في وضع القوانين العرقية التي وضعت في مؤتمر الحزب النازي عام 1935، أجاب: "نعم بمعنى أنني كنت أكتب منذ سنوات مطالباً بمنع اختلاط الدم اليهودي بالدم النازي، وقلت أن علينا أن نأخذ العرق اليهودي أو الشعب اليهودي نموذجاً... فالقوانين اليهودية هي التي اتخذت نموذجاً (لقوانين نورنبرغ)... إنه أصل اليهودية التي استطاعت بفضل قوانينها العرقية أن تستمر طوال قرون في حين انقرضت جميع الأعراق والحضارات الأخرى."
وفي هذا السياق يلاحظ حاييم كوهين الذي كان قاضياً للمحكمة العليا في إسرائيل: "إن سخرية القدر قد أرادت أن تكون الطروحات العرقية والبيولوجية التي تبناها النازيون وكانت وراء قوانين نورنبرغ، هي نفسها التي يبنى عليها تحديد صفة اليهودية في دولة إسرائيل."
ويتوجب التوقف هنا لملاحظة أمرين:
التماهي الواضح، في جواب سترايشر بين مصطلحي: العرق والشعب. مما يترجم الايديولوجيتين: النازية والصهيونية. في حين إن مصطلح الشعب في جميع النظريات غير العنصرية يعني ذلك الكيان الذي تذوب فيه جميع الأعراق في وحدة لا تقر بالتمييز.
اعتبار عدم اندماج اليهود: استمراراً. واعتبار اندماج الأعراق الأخرى في مزيج حضاري مجتمعي (وهذا ما نفهمه نحن بالقومية): انقراضاً.
وهذا ما يذكر بمقولة لباحث يهودي معادٍ للصهيونية هو غومبلو ويتش، الذي اعتبر أن كل مشكلة اليهود تكمن في أنهم "لم يعرفوا أن يذوبوا ويندمجوا كالفينيقيين"، مقولة جعلت ثيودور ليسنغ الصهيوني يقول عنه بأنه "نموذج لكره الذات".
وإذا ما اعتبر قائل أن هذا المفهوم العرقي هو واضح لدى اليمين الصهيوني في نظرية كاملة تعنونها مقولة جابوتنسكي الشهيرة: "إن مصدر الإحساس القومي موجود في دم الإنسان، في نمطه الفيزيائي- العرقي، وفيه فقط... إن الرؤية الروحية للإنسان تحددها أساساً بنيته الفيزيائية، لهذا السبب لا نؤمن نحن بالاندماج الروحي. إنه من غير القابل للتصور، من الوجهة الفيزيائية، أن يتمكن يهودي ولد في أسرة ذات دم يهودي نقي، من أن يتأقلم مع الرؤية الروحية لألماني أو لفرنسي. يمكن له أن يغرق في سائل جرماني. لكن نواة بنيته الروحية تظل أبداً يهويدية"، فإن اليسار الصهيوني لا يختلف كثيراً عن هذه الرؤية، حيث نجد بن غوريون يدين الاندماج بقسوة بل ويحتقر "اليهود المندمجين" وذاك ما يؤكده ويتبناه شيمون بيريز في كتاب لروبرت ليتل صادر عام 1996 بعنوان: "Conversation avec Shimon Peres"، مما يتماهى تماماً مع النظرية النازية التي كانت تصنف اليهود إلى نوعين: اليهود المندمجين هؤلاء أعداء النازية، واليهود الصهاينة وعم الحلفاء الممكنون.
كما عبر روبرت ويلتش رئيس تحرير جودش راندشو (المجلة اليهودية) في افتتاحية عدد 4 نيسان 1933، بالقول: "لقد قدمت النازية فرصة تاريخية لتأكيد الهوية اليهودية واستعادة الاحترام الذي فقده اليهود بالاندماج. إنهم مدينون لهتلر وللنازية."
ووارده سول فريداندر في كتاب صادر عام 1997 بعنوان Lallemagne nazie et les juifs عن دار سوي في فرنسا. ليضيف: "لقد كان مفهوم العرق، المحدد كمجموعة ميزات فيزيائية وذهنية، تتناقل داخل المجموعة بقوة التقاليد بل والجينات، قد استعمل من قبل اليهود أنفسهم من موشيه هس إلى مارتن بوبر، خاصة في ثلاث محاضرات ألقاها بوبر في براغ عام 1911 ونشرت تحت عنوان "ثلاث خطب في اليهودية" واستمر هذا المفهوم في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. حيث نجد لودويغ هولاندر رئيس الجمعية المركزية للمواطنين الألمان ذوي الديانة اليهودية (zentralverin) يؤكد عام 1928 في مطالعة الصعوبات التي تواجهها الطائفة اليهودية، إن اليهود قد شكلوا عرقاً، منذ المرحلة التوراتية، بسبب أصلهم المشترك، لكنه يتساءل عما إذا كان هذا المفهوم ما زال ينطبق على اليهود المعاصرين مجيباً: ما يزال النسب قائماً. وبتعبير آخر ما تزال المميزات العرقية موجودة حتى ولو خففت القرون من حدتها. إنها ما تزال حاضرة في الملامح الفيزيائية والذهنية."
كذلك يورد فريدلاندر منشوراً أصدره عام 1932 الكاتب الصهيوني غوستاف كروجانكر بعنوان (حول مشكلة القومية الألمانية الحديثة) يؤكد فيه أن التمرد الصهيوني على الليبرالية هو تلبية لفرائض الدم، ويجب أن يسمح بفهم عميق للتطور السياسي الحاصل في ألمانيا.
وإذا كنا نتوقف عند هذا المنشور لكونه صادراً عام 1932 أي في العام السابق لوصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا. بعد أن مررنا بـ1911 و1928 فإن المجال لا يتسع لاستعراض نظريات موشيه هس الذي أشار إليه فريدلاندر، والذي عاش في القرن التاسع عشر (1812-1875)، ودعا إلى عودة اليهود إلى فلسطين بدعم من نابوليون الثالث، والمعروف بعبارته الشهيرة: "إن ما يصنع التاريخ هو صراع الطبقات والأعراق" وبتأكيده على التعارض الجذري بين العرق الآري والعرق السامي.
كذلك لا يتسع لاستعراض علاقات هرتزل بغياتسلاف بلهيلف وزير القيصر اللاسامي عام 1903؛ أو لاستعراض العدد الكبير من الدراسات والكتب حول العرقية اليهودية، من مثل: "اليهود كعرق" للدكتور انياسي موريسي جودث اليهودي البولوني (القرن 19) أو "مشكلة العرق" لاينياس زولشان اليهودي النمساوي (1909)، أو كتب هاكل، غوبينو أو الأميركي موريس فوشبرغ "العلاقات العرقية المميزة لليهود" (1912) أو "اليهود كعرق أو كمجموعة ثقافية" لليهودي الألماني فريتز خان، إلى كتابات اليهودي البروسي ارثور روبين (1930) الذي استقر في فلسطين عام 1907 وأصبح مديراً للاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية منذ عام 1926. وسنعود إليه عند تناول اتفاقية الهعفارا.
في نقطة أخرى يؤكد زئيف ستيرنهيل، الباحث الإسرائيلي، في كتاب صدر عام 1996 أيضاً بعنوان: Aux origines d israel Entre nationalisme et soscialisme، إن الصهانية العماليين الذين كانوا يديرون الوكالة اليهودية لم يكونوا اشتراكيين ديمقراطيين، بل قوميين- اشتراكيين متأثرين بالقومية الألمانية Volkisch وبنظرية سوريل حول الأسطورة.
وهذا ما يؤكده حديث هؤلاء عن "قوة الأسطورة" وعملهم عليها، بدءاً من ثيودور هرتزل الذي استعرض سلبيات كثيرة لفلسطين (كوطن قومي لليهود) لكنه استطرد أنها كلها لا توازي قوة الأسطورة. الأسطورة التي لا تقوم عنصريتها فقط على نقاء العرق، رفض الاندماج، والعزل العرقي. وذاك ما سنعرض في الاستعراض التاريخي، بل وأيضاً على مبدأي: الإبادة العرقية، والترانسفير.
فإذا كان الحل النهائي النازي قد عنى كما أثبت المؤرخون: ترانسفير اليهود خارج الرايخ الثالث، أو نقلهم إلى المعتقلات. دون أن يعني الإبادة الممنهجة، حيث مات من مات في هذه المعتقلات بشكل لا إنساني مثلهم مثل سائر المعتقلين. فإن الترانسفير اليهودي الصهيوني الممنهج ضد سكان فلسطين، والإبادة الجماعية لهم، تمتد منذ يشوع إلى شارون، مروراً بكل قادة إسرائيل.
"فسمع الرب لقول إسرائيل ودفع الكنعانيين محرموهم ومدنهم" (عدد 21/3).
"فضربوه هو وبنيه وجميع قومه حتى لم يبقَ له شارد وملكوا أرضه" (عدد 21/35).
"متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك... ودفعهم الرب إلهك وضربتهم فإنك تحرمهم... لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم" (تثنية 5/1-2/).
وإذا كان حجر الأساس، المبرر لكل هذه المفاهيم اللإنسانية هو الإيمان بفكرة التفوق، النابعة من مبدأ الاختيار الإلهي الذي يصنف الناس إلى فوق ودون، فإن التفوق الآري، المرفوض مبدئياً وتطبيقياً إن هو إلاّ تجلٍّ حديث للتفوق اليهودي القديم الحديث.
من التوراة إلى الحاخام كوهين في كتابه "التلمود الصادر عن Payot في باريت عام 1986، حيث يقول: "يمكن توزيع سكان العالم إلى قسمين: إسرائيل والأمم الأخرى مجتمعة. إن إسرائيل هي الشعب المختار: عقيدة رئيسية." إلى آخر تصريحات المسؤولين والحاخامات الصهاينة في إسرائيل وخارجها.
العلاقة التاريخية 1933-1942:
ستقتصر هذه الورقة، كما هو عنوانها على العلاقة الصهيونية - النازية بدءاً من عام 1933 (كانت هناك بعض المواقف اليهودية المخالفة، والتي لن نتناولها لسببين: أولاً تحديد الموضوع وضيق المجال، وثانيًا إنها لم تكن ذات فاعلية تذكر، ولم تفضِ إلى نتائج ذات أهمية في سير العلاقة وفي النتائج السياسية).
تتحدد أهم المحطات بالقائمة التالية:
30 يناير: وصول هتلر إلى المستشارية.
5 آذار: حصول الحزب النازي على أكثرية في البوندستاغ.
13 آذار: إعلان مقاطعة ألمانيا من قبل المجلس اليهودي الأميركي.
1 نيسان: الرد الألماني عبر إصدار تشريع غير الآريين.
7 نيسان: تشريع إعادة تنظيم الوظائف العامة.
نيسان: رحلة تتشلار منفلستين إلى فلسطين.
21 حزيران: صدور ميموراندوم.
14 تموز: صدور قانون الجنسية.
7 آب: توقيع اتفاق الهعفارا.
30 آب: اعتراض الجمعية المركزية.
أكتوبر 33: افتتاح خط بحري مباشر بين هامبورغ وحيفا لنقل المهاجرين بإشراف حاخامية هامبورغ.
لم يكن تعيين هتلر في منصب المستشارية كافياً لسيطرة سياسة حزبه إلا بعد حصول الحزب على أكثرية في البوندستاغ في 5 آذار 1933، وبعد ذلك بثمانية أيام فقط، (40 يوماً من وصوله هو) طرح جوزيف توننبوم أحد قادة المجلس اليهودي الأميركي مقاطعة ألمانيا، ولم تكن الفكرة جديدة كونها طرحت أيضاً قبل ذلك بعامين. وظهرت تلبية سريعة للفكرة في بريطانيا حيث ظهرت على واجهات المحلات شعارات مقاطعة للبضائع وللسياح الألمان. لكن رئيس اتحاد صهاينة ألمانيا، ورئيس الجمعية المركزية للألمان ذوي الديانة اليهودية، أعلنا معارضتهما لسياسة المجلس اليهودي الأميركي، وخرجت مظاهرات ترفع هذا الاحتجاج في ألمانيا، لتقابلها في اليوم التالي مظاهرات أخرى في عدة مدن أميركية.
وردّ هتلر بطريقة تدريجية، أولاً بتنظيم يوم رمزي لمقاطعة المؤسسات التجارية اليهودية. لكنه لم يكن ينوي أكثر من ذلك، حرصاً على عدم التسبب فيما يضاعف الأزمة الاقتصادية في بلاده، وعندما تعرضت شبكة تيتز التجارية الكبيرة اليهودية للإفلاس، أمر بصرف قرض كبير لإنقاذها.
لكن مقاطعة البضائع الألمانية تنامت في الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بولونيا. وإزاء هذا التأزم كان هناك موقفان: موقف الجمعية المركزية لليهود والألمان ذوي الديانة اليهودية، برئاسة لودويج هولاندر الذي كان يرفض الصهيونية، ويرفض أية ادعاءات تقول أن اليهود عرق مختلف ويؤمن بالانتماء إلى الأمة الألمانية، ويعارض أية تدابير ضد ألمانيا؛ وموقف المنظمات الصهيونية، الذي تحدد علناً بصدور ميموراندوم 21 حزيران، عن المنظمة الصهيونية في ألمانيا (Z.V.F.D)، والذي يقول عنه المؤرخ فرنسيس نيقوزيا: "يبدو وكأنه يدعو إلى تعاطف مع نظام هتلر، ويطرح كون الصهيونية متوافقة مع مبادئه".
وقد جاء فيه: "لا تبني الصهيونية أي وهم حول صعوبة الوضع اليهودي، الذي يتمثل أساساً في بنية اجتماعية غير طبيعية، ووضع ثقافي فكري غير متجذر في تراث خاص، لقد استشرفت الصهيونية منذ وقت طويل، أن ظواهر تراجع وتخلف لم تتأخر عن الظهور بسبب الميل إلى الاندماج، وتعتقد الصهيونية بأن انبعاث الحياة القومية للشعب، الذي يحصل اليوم في ألمانيا، مع التشديد الذي يتم على جذوره المسيحية، وطابعه القومي، هو ما يجب أن يحصل داخل المجموعة القومية اليهودية، وبالنسبة للشعب اليهودي أيضاً: أن الأصل القومي، الدين، حس المصير المشترك، وحس فرادته وتفوّقه يجب أن تتخذ معنىً حاسماً في الوقت الذي يبنى فيه مستقبله... ونحن نعتقد أن ألمانيا الجديدة، تحديداً، هي التي تستطيع بفضل إرادة مصممة أن تجد حلاً لمسألة يجب أن تحل لدى سائر شعوب أوروبا... إن اعترافنا بالقومية اليهودية يقدم لنا أسس صداقة صادقة مع الشعب الألماني وحقائقه الواقعية القومية والعرقية. ولأننا تحديداً، لا نريد ولا نتمنى تخريب هذه المعطيات الأساسية (فنحن أيضاً ضد الزيجات المختلطة، ونريد الحفاظ على نقاء الجماعة) فإننا نرفض كل تداخل في المجالات الثقافية... ولبلوغ هذه الأهداف العملية. تأمل الصهيونية في الحصول على تعاون حكومة حتى ولو كانت معادية لليهود. ذاك أنه لا مجال للمشاعر في حل المسألة اليهودية، بل لمعالجة مشكلة حقيقية يهمّ حلها جميع الشعوب، وفي هذا الوقت الشعب الألماني خاصة... إن الدعاية لصالح مقاطعة ألمانيا، كما تتم الآن وبطرق مختلفة، هي في جوهرها دعاية مناهضة للصهيونية."
وإذا كانت تصريحات كثيرة مشابهة قد تلت هذا الميموراندوم، سنعرض لها في حينها، فإن روبرت ويلش كان قد كتب في افتتاحية "المجلة اليهودية" (جودش راندشو) يوم 4 نيسان 1933 (مجلة Z.V.F.D) "إن النازية تقدم فرصة تاريخية لإعادة تأكيد الهوية القومية اليهودية، وسيستعيد اليهود الاحترام الذي فقدوه بسبب الاندماج، وسيطلقون انبعاثهم القومي الخاص. إن اليهود مدينون لهتلر...".
في 7 نيسان، تم إقرار قانون إعادة تنظيم الوظيفة العامة بهدف إبعاد الخصوم من صفوف الجهاز الحكومي بدءاً بالشيوعيين. غير أن ما عرف بـ"الفقرة الآرية" كان يستهدف اليهود، ولكن التطبيق العملي لم يطلهم كثيراً لسببين:
1- أن عددهم كان قليلاً في الجهاز الحكومي.
2- تدخل جمعية قدماء المحاربين اليهود الذي أدى إلى استثناء جميع الذين قتل آباؤهم أو أولادهم في الحرب الأولى. وجميع اليهود الذين يعملون في خدمة الدولة منذ أول آب 1914.
وهكذا كان مصير القوانين التي تتالت بعدئذٍ حول: زيادة عدد الطلاب اليهود في المدارس أو بخصوص المحامين والأطباء أو الملكيات الزراعية أو المؤسسات الثقافية.
ولتكلل كلها بقانون الجنسية الذي حمل عنوان: "قانون إلغاء التطيبع والاعتراف بالمواطنة الألمانية" الذي كان يهدف إلى إلغاء التجنيس الحاصل بين 9 نوفمبر 1918 و30 يناير 1933. وكان يستهدف بشكل خاص يهود أوروبا الشرقية. لكن ذلك لم يؤثر في التصريحات الإيجابية من كلا الطرفين.
لكن: ما هي العلاقات السياسية التي كانت وراء هذه الإعلانات المؤيدة المتحمسة؟ ما الذي كان يدور في الخفاء بين النازيين والصهيونية؟ وتحديداً بين هؤلاء ومكتب الشؤون اليهودية في الاستخبارات الألمانية؟
رحلة منغلستين
في ربيع (1933)، التقى أربعة أشخاص في محطة برلين، ليستقلوا القطار إلى تريست، ومنها إلى ظهر الباخرة مارثا واشنطن، وهي باخرة كانت تحمل المهاجرين اليهود إلى فلسطين. الغريب في الأمر هنا يكمن في تشكيلة الفريق. زوجان يهوديان "تتشلر"، مرسلان من قبل الاتحاد الصهيوني في ألمانيا، وزوجان نازيان، (فإن ميلغن) مرسلان من قبل أجهزة الحكومة النازية. أما هدف هذه الرحلة التي دامت ستة أشهر، فقد كان القيام بتحقيق كامل قدر الإمكان، حول إمكانيات توطين يهود ألمان في فلسطين. ويتفق معظم المؤرخين على أنه لم تكن لأدولف هتلر أية سياسة متكاملة محددة حول المسألة اليهودية، حتى ليلة الكريستال المشهورة ليلة 9/10 نوفمبر 1938، وذلك رغم تصريحاته المبدئية ورغم بعض التدابير الخاصة من مثل مقاطعة اليهود الألمان اعتباراً من أول أبريل 1933، وإقرار تشريع حول غير الآريين، بعد ذلك بأسبوع.
هذا الموقف غير المحدد ترك الحرية شبه الكاملة لمكتب الشؤون اليهودية في الاستخبارات الألمانية (S.S) لتجريب مختلف السياسات الممكنة. وفي سياق ذلك جاءت رحلة البارون ليود بولد التي نسيت كلياً اليوم. وذلك رغم أن ميلغنستين لم يكن شخصاً هامشياً أو غير جاد. فهو عضو في (N.S.D.A.P.) وضابط كبير في الأجهزة السرية. كما أنه كان قد سبق وكلّف قبل عام (1933) بتقديم تقرير دقيق حول الهجرة اليهودية باعتبار أن الحكومة لم تتوصل إلى حل مرضي إلى هذه القضية. مما مكن الاستخبارات من أن تمتلك، وقبل سواها من أجهزة السلطة، عناصر ملموسة ودقيقة جعلتها تمسك بزمام المسألة اليهودية من عام (1934) إلى عام (1936) باعتبارها التنظيم الوحيد الذي يمتلك معلومات دقيقة حول هذا الموضوع. كان ميلغنستين مهندساً ولد في براغ عام (1902)، واهتم منذ مرحلة الدراسة، بالمسألة اليهودية، وشارك في اجتماعات الفئات اليهودية المختلفة. ثم التحق بصفوف الاستخبارات الألمانية باعتباره واحد من الخبراء النابغين في موضوع اليهودية وكصهيوني متحمس، كان من أول من رأوا أهمية وجود المنظمات الصهيونية، وخاصة المراجعة منها، داخل صفوف المجموعة اليهودية.
كتب ميلغنستين في حينه سلسلة من اثنتي عشرة مقالة موثقة تماماً، تحت عنوان "نازي يترحل في فلسطين"، وذلك في الصحيفة البرلينة اليومية Der Angriff التي كان يشرف عليها الدكتور غوبلز. وفي هذه المقالات يعرب عن إعجابه الشديد بالصهيونية وبالروح الرياضية لدى المستوطنين اليهود الأوائل. ويخلص إلى استنتاج مفاده "أن الوطن القومي لليهود في فلسطين سيكون علامة على وسيلة لشفاء جرح قديم يعود إلى عدة عصور هو: المسألة اليهودية". وقد ضربت، تخليداً لذكرى هذه الزيارة ميدالية خاصة بطلب من غوبلز شخصياً وكانت تحمل على أحد وجهيها إشارة السويستيكا (أي الصليب المعقوف) وعلى الوجه الآخر نجمة داود. بعد ذلك ببضعة أشهر، عين ميلغنستين في قسم الشؤون اليهودية في وزارة الأمن النازية. وذلك ليقوم بدعم أكثر فعالية لجهود الصهانية المتعلقة بالهجرة. "لقد أصبحت أجهزة الاستخبارات، كما كتب برنا، الجزء الأكثر صهيونية في الحزب النازي. في حين كان النازيون الآخرون يتحدثون عن ضعفها إزاء اليهود. وقد ازداد حماس البارون فان ميلغنستين للقضية الصهيونية بعد زيارته إلى فلسطين. مما دفعه إلى دراسة العبرية وجمع الأشرطة الناطقة بهذه اللغة. وأصبح على رأس الدائرة اليهودية في جهاز الأمن النازي وعندما قام صديقه (اليهودي) كورت توتشلر، الذي رافقه إلى فلسطين، بزيارته في مكتبه الجديد عام (1934)، استقبله وفق الطقوس الفلكلورية التقليدية اليهودية. وكانت على جدران مكتبه خرائط تبين التطور السريع للصهيونية في ألمانيا."
ومن سخرية القدر أن ميلغنستين هو الذي عين أدولف ايخمن في قسم الشؤون اليهودية في جهاز الأمن. وعندما جرت محاكمة ايخمن في إسرائيل بعد ذلك بسنوات، باعتباره "منظم الحل النهائي"، كان عليه أن يشهد "بأن ميلغنستين كان رجلاً معتدلاً ومنصفاً مخلصاً في جهوده لإيجاد حل عادل للمسألة اليهودية".
على إثر هذه الرحلة وإثر مناقشات عديدة أعلنت صحيفة الأجهزة السرية (Das Schwarze Korps) رسمياً دعمها للصهيونية. "لم يعد بعيداً الوقت الذي تصبح فيه فلسطين قادرة على استقبال أبنائها الذين فصلوا عنها أكثر من ألف عام وترافقهم تمنياتنا الطيبة وتمنيات الدولة".
كان هذا التطور في العلاقة، مترافقاً مع تطور تفاقم الحصار الاقتصادي الدولي على ألمانيا، مما ولّد فكرة مقايضة كسر المقاطعة مقابل تفعيل وتنظيم الهجرة إلى فلسطين، هذه الفكرة التي أودت في النهاية إلى ما يعرف باتفاق الهافارا.
البداية كانت فكرة لسام كوهين مدير شركة المستوطنات (هانوتا) في فلسطين، عرضها على قنصل ألمانيا هنريتش وولف، لتحقيق "فائدة مزدوجة" للطرفين. تقضي بأن تقوم الشركة بكسر الحصار الاقتصادي على ألمانيا، مقابل تنظيم هذه الأخيرة لهجرة اليهود إلى فلسطين، لا إلى مكان آخر، بحيث يودع المهاجرون أموالهم في ألمانيا فتشتري بها هانوتا بضائع ومعدات زراعية، ليس فقط للمستوطنات وإنما لإغراق السوق العربي، وتعيد للمستوطن ما أودع مستفيدة هي من الأرباح. وعندما وافقت ألمانيا، أعلنت المنظمة الصهيونية العالمية موافقتها على المبدأ لكنها أسفت لأن الاتفاق عقد مع شركة خاصة. ودار خلاف أنهاه الألمان بأن جمعوا سام كوهين ومساعد له في هانوتا، مع مندوب اتحاد صهاينة ألمانيا، وشخصين قدما من فلسطين هما مدير البنك الانكلو فلسطيني ومدير الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية أرتور روبين، وانتهى الأمر باضطرار كوهين للتنازل وتأسيس وحدة تحت إدارة اليعازر هوفمن وذلك بعد تدخل حاييم أرلوزوروف مبعوث بن غوريون، الذي يؤكد توم سيغيف أنه ذهب للتمهيد للاتفاق وعاد قبل توقيعه ليغتال على يد الصهاينة المراجعين.
وفي يوم 7 آب 1933 تم التوقيع الرسمي على الاتفاق، في وزارة الاقتصاد الألمانية من قبل ممثلي الوكالة اليهودية، وارتور روبين ممثلاً المنظمة الصهيونية العالمية من جهة، ومسؤول كبير في الرايخ الثالث من الجهة الأخرى. وبعد تبادل الرسائل الرسمية بين الطرفين أنشئت لهذا الغرض شركة باسم بالترو في برلين، وأخرى باسم هافارا كومباني في تل أبيب. كما أنشئ خط بحري مباشر بين مينائي هامبورغ وحيفا، بإشراف حاخامية هامبورغ، استطاع أن يؤمن من عام 1933 إلى عام 1939 هجرة ستين ألف يهودي أي 10% من الطائفة (73% كانوا يفضلون أوروبا الشرقية/ حتى عام 1938/) ونقل 140 مليون دولار، وذلك باعتراف الياهو بن اليسار، وفيلسنفيلد الذي كتب يقول: "كان للنشاط الذي حركته الهافارا الأثر الأكبر على تطور البلاد، بل إن عدداً من أهم المصانع والشركات الآن يدين بوجوده لها."
ويمكن فهم ذلك إذا ما عرفنا أنه كان على كل مهاجر أن يودع مبلغ ألف ليرة سترلينية على الأقل في حساب خاص في برلين (أي ما يساوي دخل أسرة بورجوازية لمدة ثلاث سنوات) كما يسمح له بإرسال بضائع تساوي قيمتها 20 ألف فرنك.
كان التعاون الألماني الصهيوني يستند إلى اتفاق موقع في آب (1933)، باسم اتفاق "هَعْفارا" (الترانسفير)، عقد إثر عدة اجتماعات بين الحكومة الألمانية وحاييم آرلوزوروف الأمين العام للوكالة اليهودية، وهي الفرع الفلسطيني للمنظمة الصهيونية العالمية. وبموجب هذا الاتفاق أنشأت شركتان: Havara Company في تل أبيب وBaltreu في برلين. وكان كل مهاجر يهودي ألماني يودع ألف ليرة استرلينية على الأقل في حساب خاص في ألمانيا (1000)، هي المبلغ الذي يشترطه الانجليز للسماح بالإقامة في فلسطين، وكان يشكل تقريباً دخل أسرة برجوازية ألمانية لمدة ثلاث سنوات. كما يسمح بإرسال بضائع تساوي قيمتها عشرين ألف فرنك وأحياناً أكثر، عن طريق البحر.
هذا المال المودع في برلين كان يستعمل لشراء (بضائع ألمانية، آلات، أدوات، مضخات، مواد بناء، أسمدة... الخ) تنقل إلى فلسطين لتعيد شركة يهودية في تل أبيب بيعها هناك. أما دخل هذه المبيعات فيستعمل لتمويل اليهود الذين يصلون إلى فلسطين. كانت مصلحة ألمانيا في ذلك تتمثل في كون الصهاينة يقومون بخرق الحصار ضد البضائع الألمانية ويقومون بتوزيعها بأنفسهم، كما تتمثل مصلحة هؤلاء في الخروج من العزلة وفي إجبار المهاجرين على الذهاب إلى فلسطين دون سواها.
ناقش المؤتمر الصهيوني المنعقد في آب عام 1933، في براغ، موضوع الهافارا مناقشة طويلة بحضور مندوبين ألمان. رفضت خلالها المنظمة الصهيونية العالمية اقتراحاً بالمساهمة الفعالة في الحصار المفروض على ألمانيا. وأحيل اتفاق الهافارا إلى المؤتمر الصهيوني التالي المنعقد في آب وأيلول (1935) في سويسرا، حيث تمت الموافقة عليه وتصديقه: وفي مؤتمر لوسيرن انتقل نظام الهافارا إلى الرقابة المباشرة للجنة التنفيذية الصهيونية، من ضمن نقل جميع العمليات التي كانت حتى ذلك الحين مناطة بالبنك الانغلو- فلسطيني. وقد سمح للمنظمة الصهيونية العالمية بفتح مراكز تدريب مهني وزراعي للمرشحين للهجرة في ألمانيا. كما نظمت دروس بالعبرية في المدن الكبرى وأصدرت صحيفة صهيونية باسم (Judishe Rundschau) مهمتها إيصال الخطاب الصهيوني إلى الأسر والمنازل. ولم تتوقف الهافارا عن العمل مع إعلان الحرب. والمهم أن ما ظل مجهول حتى الآن هو أن عدة دول أخرى قد قلدت نظام الهافارا، من مثل بولونيا عام 1937 تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وإيطاليا عام (1939).
كانت أعمال الهافارا، في معظمها، عبر شركات تأمين قائمة في ألمانيا وفي فلسطين. فقبل ترك ألمانيا، يودع المهاجر اليهودي أمواله لدى شركة تأمين ألمانية، تقوم بدورها باستعمال هذه الأموال في شراء التجهيزات والبضائع الألمانية وإرسالها إلى فلسطين. ومن ثم يقوم الزبائن الذين نظموا طلبيات هذه البضائع الألمانية في فلسطين، بدفع أثمانها إلى شركة تأمين محلية، تعيد إلى المهاجرين اليهود الواصلين من ألمانيا المبالغ التي دفعوها هناك. كان النظام معقداً وثقيلاً، لكنه مربح بالنسبة لجميع الفرقاء: فالرايخ يتخلص بواسطته من يهوده، ويكسر الحصار الذي فرضته عليه المنظمات اليهودية الأمريكية، ويشغل مصانعه. في حين أن الصهاينة أنفسهم يتمكنون بواسطته من اختيار نخبة اليهود الصهاينة لإرسالهم إلى فلسطين كهدف إلزامي. ذاك أن الصهاينة كانوا قد تصدوا عدة مرات لمنع إمكانيات هجرة يهود ألمانيا وأوروبا الشرقية عندما لم يكن البلد المقصود هو فلسطين. وبتلك الطريقة تم نقل حوالي مئة وثلاثين مليون دولار، وهو مبلغ ضخم ساعد في التنمية الاقتصادية للدولة العبرية فيما بعد. كما وصل عدد اليهود الذين هاجروا من ألمانيا بي (1933) و(1939)، بفضل نظام الهافارا، إلى 60 ألف يهودي أي حوالي 10% من مجموع يهود ألمانيا. و15% من مجموع يهود فلسطين عام (1939). وكانت هذه الهجرة تتم في ظروف ممتازة. حيث يروي توم سيغيف مثلاً أن المهاجرين اليهود الذين صرفوا من أعمالهم، ظلوا يتقاضون تعويضات البطالة من صندوق مالية الرايخ الثالث حتى وهم موجودون في فلسطين.
لم تكن الوكالة اليهودية المسؤولة عن الهجرة إلى فلسطين والتي يسيطر عليها الصهاينة تهتم بالوضع الصعب الذي يعيشه يهود ألمانيا، بل أن اهتمامها كان ينصب على إمكاناتهم وقدرتهم على العمل... الخ: "أن المادة البشرية القادمة من ألمانيا تصبح أسوأ فأسوأ- تعلن الوكالة اليهودية مستنكرة في عام (1934)- ليس لديهم الرغبة في العمل ولا الكفاءة، وهم بحاجة إلى مساعدة اجتماعية." كذلك يذكر توم سيغيف أن المنظمة "أرسلت عام (1935) إلى برلين قائمة بأسماء الأشخاص الذين يتوجب ألا يسمح لهم بالذهاب إلى فلسطين". كما يكشف سيغيف عن أن مسؤول العمل الاجتماعي في الوكالة اليهودية قد طلب عدة مرات أن تعاد بعض هذه "الحالات" من المرضى أو المحتاجين إلى ألمانيا النازية كي لا تصبح عبئاً على (اليوشفيم) أي مجموعة الرواد. كما أن الوكالة اليهودية اشتكت من استقبال عدد كبير من رجال الأعمال الذين لديهم أطفال في حين أنه يجب إعطاء الأفضلية للعازبين. وفي عام (1935) تقرر أن تعطي أذونات الهجرة بحيث "لا يكون هناك أي مجال للشك بأن هؤلاء المهاجرين يمكن أن يشكلوا عبئاً على البلاد (..) وكل من ينصرف إلى التجارة أو إلى أي نشاط آخر لا يتلقى أذن الهجرة بأي حال من الأحوال، إلا إذا كان أحد الصهاينة المتحمسين".
ومن عام (1933-1935) رفضت المنظمة الصهيونية العالمية ثلثي طلبات الهجرة التي قدمها يهود ألمانيا، مفضلة إعطاء الأولية وبشكل منهجي، للشباب، ويصف بريل كازنيلسون صاحب جريدة دافار الصهيونية العمالية هذا "المعيار المجرم الذي تبنته الصهيونية" بقوله: "لقد كان يهود ألمانيا متقدمين في السن مما لا يسمح لهم بإنجاب أطفال في فلسطين، كما أنهم لم يكونوا يملكون المهن والحرف التي تساعد في إنشاء مراكب صهيونية، إضافة إلى أنهم لا يتحدثون العبرية وليسوا صهاينة. وبدلاً من هؤلاء اليهود المعرضين للإبادة استقدمت المنظمة الصهيونية العالمية ستة آلاف شاب من الذين تلقوا تدريبات محددة في الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا ودول أخرى ليس فيها أي خطر. بل أن الأسوأ من ذلك أن المنظمة الصهيونية العالمية لم تكتف بعدم البحث عن أي مبادرة لإنقاذ يهود ألمانيا، بل أن مسؤوليها قد عارضوا بشكل قاطع جميع الجهود التي كانت ترمي إلى إيجاد ملجأ لليهود الهاربين."
مما يلتقي مع ما أورده روجيه غارودي عن كتاب بار زوهار: "بن غرويون النبي المسلح" من أن رودولف كاستنر فاوض ايخمن على أن يسهل هذا الأخير هجرة 1684 يهودياً نافعاً إلى إسرائيل مقابل إقناع كاستنر لـ46 ألف يهودي هنغاري بأن نقلهم إلى أشويتز مجرد تغيير لمحل الإقامة.
كما يؤشر إلى الفضيحة التي حصلت أثناء محاكمة ايخمن حيث طالب القاضي بمحاكمة كاستنر لأنه تدخل في نورنبرغ بشهادة كاذبة لإنقاذ أحد محاوريه من النازيين ولأنه أخفى أن تدخله كان باسم الوكالة اليهودية والمجلس اليهودي العالمي.
وفي 14/7/55 كتب الدكتور موشي كارين في هاآرتس مطالباً بتجريم كاستنر لكن يدعوث احرونوث كانت قد أوضحت: "إذا حوكم كاستنر فإن الحكومة كلها ستتعرض للانهيار، نتيجة لما ستكشف عنه هذه المحاكمة. وانتهى الأمر باغتيال كاستنر على سلم قصر العدل. ثم أصدرت المحكمة حكماً ببراءته.
قوانين نورنبرغ
بعد النشاط المتسارع في تطبيق الهافارا، وفي عام 1934 كتب الحاخام جوهاتسيم برينز، الذي أصبح فيما بعد نائباً للمنظمة الصهيونية العالمية محيياً "الثورة الألمانية" قائلاً: "نريد استبدال الاندماج بقانون جديد: الاعتراف بالانتماء إلى العرق اليهودي والأمة اليهودية. إن أمة مبنية على نقاء العرق لا يمكن إلا وأن تكون محترمة ومؤيدة من قبل اليهودي، الذي يعلن انتماءه إلى شعبه الخاص وإذ يعلن أنه كذلك فلا يمكنه بالتالي أن يدين بالولاء والانتماء لدولة. هذه الدولة لا تريد يهوداً إلا أولئك الذين يعلنون انتماءهم إلى أمتهم الخاصة، لا تريد يهوداً مادحين وزاحفين. عليها أن تطلب منا الإيمان والولاء لمصالحنا الخاصة. لأن الذي يمجد أصله ودمه هو وحده الذي يستطيع أن يحترم ويمجد الإرادة القومية للأمم الأخرى."
هذه الرغبة، لبـّتها في العام التالي 1935، قوانين نورنبرغ، وهي القوانين الثلاثة المعروفة بـ:
قانون علم الرايخ
قانون المواطنة
قانون حماية الدم والشرف الألمانيين.
وأول ما يلاحظ أنه قد حرم على اليهود رفع علم الرايخ، لكنهم كانوا الجماعة الوحيدة التي سمح لها برفع علمها الخاص. كما يلاحظ أن قاسماً مشتركاً جمع بين رؤية هتلر، والألمان، والصهاينة لهذه القوانين.
فحيث نقلت صحيفة الحزب النازي أن الفوهرر التقى مسؤولي الحزب ليوضح لهم أن هذه "القوانين القومية الاشتراكية تمثل الطريقة الوحيدة لإقامة علاقات مقبولة مع اليهود... وتقدم لهم في كل مجالات حياتهم القومية (فولكش) إمكانيات لم تتوفر لهم في أي بلد آخر.". كما نجد مؤرخاً إسرائيلياً (ديفيد بانكييه) يؤكد على أن الألمان أيدوا هذه القوانين لأنها "تتناغم مع السياسة العنصرية" و"تثبت حدوداً للأنشطة اللاسامية". وكذلك يؤكد سول فريدلاندر أن اليهود الألمان اعتقدوا أن هذا التشريع الجديد سيرسي بنية معترفاً بها... وتنشئ قاعدة جديدة للعلاقة بين الشعب الألماني واليهود الذين يعيشون في ألمانيا."
وفي 26 أيلول صدرت (دار شورازكوربس) جريدة الأجهزة السرية لتقول: "إن الاعتراف بالمجموعة اليهودية كجماعة عرقية تقوم على الدم لا على الدين تقود الحكومة الألمانية إلى ضمانة الوحدة العرقية لهذه الجماعة. وتجد الحكومة نفسها على اتفاق تام مع الحركة الكبيرة لهذه الجماعة التي تسمى الصهيونية، التي تعترف بتضامن جميع يهود العالم ورفضها لأي مفهوم اندماج. وعلى هذا الأساس تتخذ ألمانيا المبادرة إلى تدابير ستلعب بكل تأكيد دوراً ذا دلالة في حل المسألة اليهودية في العالم."
لتأتي ردود فعل الصهاينة الألمان أكثر حماساً فنجد (جودش راندشو) تنشر في اليوم التالي (17 أيلول) افتاحية حماسية جاء فيها: "إن ألمانيا... تستجيب لمطالب المؤتمر الصهيوني العالمي إذ تعلن أن اليهود المقيمين حالياً في ألمانيا هم أقلية قومية. ففي حال الاعتراف باليهود كأقلية قومية يصبح من الممكن من جديد إقامة علاقات طبيعية بين الأمة الألمانية والأمة اليهودية. وتقدم القوانين الجديدة للأقلية اليهودية الفرصة لأن تعيش حياتها الخاصة... باختصار يمكن للشعب اليهودي أن يكون مستقبله الخاص في كل مظاهر حياته القومية... والمشروع الذي يمضي من حالة الطائفة إلى حالة الأمة سيحظى بالتشجيع، كما ستقدم المساهمة لإرساء علاقات فضلى بين الأمتين".
كذلك تبنت مجلة دايراسرائيليت مجلة الهيود الأرثوذوكس الموقف نفسه وعبرت عن تأييدها المطلق لمنع الزيجات المختلطة. (19 أيلول 1935).
وفي المقابل كانت صحيفة داز شوارسكوبس قد نشرت افتتاحية يوم 15 آذار 1935 جاء فيها: "لم يعد بعيداً الوقت الذي تستطيع فيه فلسطين أن تستقبل أبناءها الذين فصلوا عنها طيلة أكثر من ألف سنة. فلترافقهم تمنياتنا الطيبة، وحسن نية الدولة." وبعد شهرين كتب هيدريش في الصحيفة نفسها: "يدعو الصهاينة إلى مفهوم عرقي تماماً. ويساعدون عبر الهجرة على بناء دولتهم اليهودية الخاصة، إن تمنياتنا الطيبة وحسن نيتنا الرسمية معهم."
كذلك عبّر المنظر العرقي الفرد روزنبرغ عن دعمه الكامل للصهيونية، في حوار مع صحيفة L'echo de Paris عد 30 أيار 1935. حيث كان مسؤولو الرايخ ينتظرون من الصهاينة تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. وفي هذا يورد فرانسيس نيقوزيا، ما كتبه هانزل مريدنثال رئيس اتحاد صهاينة ألمانيا: "كان الغستابو يعمل كل ما في وسعه لتشجيع الهجرة، خاصة باتجاه فلسطين. وغالباً ما كنا نتلقى مساعدته عندما كنا نحتاجها لدى حكومات أخرى بهدف تشجيع الهجرة."
وفي السياق ذاته حمل جورج لاندور، أحد موقعي الهافارا، رسالة من بن غوريون مؤرخة 21 يناير 1935 تحمل تفويض الوكالة اليهودية له لمناقشة قضايا التدريب المهني للمرشحين للهجرة. وكان هناك حتى ذلك التاريخ أربعين مركز تدريب مهني وزراعي تعمل على ذلك. وبأمر من هيدريش وضعت مزارع تحت تصرف الصهاينة ونظمت دروس بالعبرية في عدة مدن."
وربما يكون لذلك علاقة بالمعايير الانتقائية التي حرصت عليها الوكالة اليهودية في منع أذونات الهجرة بعد أن اشتكت عام 1933 من أن "المادة أو البضاعة البشرية الواردة من ألمانيا تسير من سيء إلى أٍوأ."
وبعد أن احتجت هنرييتا سزولد التي كانت تدير وحدة العمل الاجتماعي في الوكالة على وجود المرضى والمحتاجين بين المهاجرين. ومن حين لآخر كانت تطالب بإعادة بعض هذه "الحالات" إلى ألمانيا كي لا يصبحوا عالة على اليشوف." (توم سيغيف)
في الوقت ذاته، أي بداية 1935 عين مندلستين أدولف ايخمن مسؤولاً عن العمل على الصهاينة في حين كلف شرودر بالعمل على اليهود المندمجين. ويؤكد المؤرخ هينز هوهن أن ايخمن لم يكن لاسامياً بل كان في أسرته يهود وكان يعاشر فتاة يهودية، ويدين بموقعه في عالم المال لليهود. وأنه عكف على دراسة الحركة الصهيونية واللغة العبرية بعد تعيينه، وكتب عام 1936 رسالة حول المنظمة الصهيونية العالمية. وكانت الأجهزة السرية ما تزال مقسومة إلى فرعين (S.D) والغستابو، تجمعهما رئاسة هيدريش مما ترك لايخمن هامشاً من حرية التصرف.
أما مندلستين (رئيسه) فكان يعلن تعاطفه العميق مع الصهيونية وازدراءه للاسامية جوليوس سترايشر، وقد "قام- كما يقول توم سيغيف- بنشر الصهيونية لدى الجمهور الألماني، وكان ينقل معلومات لتاتسلار (المسؤول الصهيوني الذي رافقه إلى فلسطين) حتى بعد استقرار هذا الأخير في فلسطين. وعندما ترك مندلستين الجهاز السري (S.D) عام 1936 حل محله ديتر ويزلسنسي الذي لم يكن أقل تعاطفاً مع الصهيونية.
لكن التطور الخطير، الذي يحاول التاريخ الرسمي طمسه هو ما حصل في نهاية 1937 وما أورده توم سيغيف تفصيلاً في كتاب "المليون السابع" حيث قام عضو بارز في الحزب النازي هو أوتو فون بودلشوينغ، صديق مندلستين، والمفاوض السابق في حيفا، بلفت نظر القسم الثاني في الأجهزة إلى الأهمية التي يمكن أن يمثلها التعاون مع الهاغانا عبر يهودي ألماني استقر في فلسطين يدعى ريشرث، وهو على علاقة وثيقة بفوفيل بولكس أحد مسؤولي هذه المنظمة.
هكذا وجهت الدعوة إلى بولكس لزيارة برلين، حيث استقبله ايخمن يوم 16 شباط 1937. وأكد بولكس لمضيفه أن المسؤولين الصهاينة راضون تماماً عن السياسة التي تنتهجها الحكومة الألمانية والتي من شأنها تشجيع الهجرة. ووجه هذا المسؤول الإرهابي الدعوة لايخمن وهاجن لزيارة المستوطنات اليهودية في فلسطين. وعندما قدم ايخمن تقريره بذلك إلى رؤسائه قام فرانك سيكس باطلاع هيدريش عليه يوم 17 حزيران 1937 مقترحاً أعطاء ضمانات لبولكس تتمثل في "الضغط على المؤسسات التنظيمية القومية لليهود الألمان، كي تجبر المهاجرين اليهود على الذهاب حصراً إلى فلسطين وليس إلى أي بلد سواها."
وفي نهاية أيلول غادر آيخمن وهاجن مرفأ كونستانزا في رومانيا إلى حيفا يحمل الأول بطاقة صحفية منحها له صاحب صحيفة برليز ثاغيبلات اليهودي هانز لاشمان، والآخر، بطاقة طالب. دخلا حيفا عبوراً، وزارا جبل الكرمل ثم ذهبا إلى الاسكندرية فالقاهرة حيث حاولا العودة بإذن من القنصلية البريطانية للاجتماع بوفد الهاغانا، لكن الانكليز رفضوا إعطاءهما التأشيرة. وكان أن جاء بولكس إلى القاهرة وحصل الاجتماع في مقهى غروبي.
التيارات الأخرى داخل الحكم الألماني والعرب:
ولكن، هل كانت جميع التيارات داخل الحكم النازي مؤيدة للصهيونية؟ هل كان التأييد واضحاً لإقامة الدولة؟
إن رجلاً مثل بيلوشوانتي مدير ريفرات دوتشلاند، كان يعتبر أن إنشاء كيان يهودي في فلسطين ولو تحت السيطرة البريطانية، سيكون من شأنه تدعيم قوة المجموعة اليهودية العالمية.
وعندما علم عام 1934 أن مسؤولاً صهيونياً ألمانياً هو سيغفريد شيرن قد ذهب إلى باريس لإقناع جابوتنسكي بتخفيف الحصار اليهودي على ألمانيا، وجه رسالة مفصلة لوزارة الخارجية يحتج فيها على السماح لأوساط يهودية ألمانية بالاتصال بأوساط يهودية عالمية لمناقشة أمور داخلية في الرايخ الثالث لا يجوز أن تناقش مع جهات خارجية، وكانت رسالته تعكس تحفظاً عميقاً إزاء الصهيونية.
كذلك كانت هناك أطراف داخل الأجهزة السرية نفسها تعتبر "أن إعلان دولة يهودية، أو قيام فلسطين تحت حكم يهودي سيخلق عدواً جديداً لألمانيا. خصماً سيكون له تأثير كبير على مستقبل الشرق الأوسط" (تقرير أورده كارل شلونس) وأنه سيكون من شأن هذه الدولة أن تؤمن حماية خاصة للأقليات اليهودية في العالم، مؤمنة بذلك حماية شرعية لنشاط اليهودية العالمية."
جهة أخرى ثالثة كانت تعارض التقارب مع الصهيونية هي "المنظمة المكلفة بالخارج" في الحزب النازي التي أنشئت عام 1930، وحصّلت وضعاً رسمياً عام 1934، وكان من المؤثرات في موقفها، موقف الجالية الألمانية في فلسطين (غير اليهودية) التي كانت تنظر باستياء إلى قدوم الهجرة اليهودية. وكان أكثر ما يزعج هؤلاء الألمان غير اليهود اضطرارهم للمرور عبر (الهافارا تراست اند ترانسفير أوفيس) لإجراء معاملاتهم مع الوطن الأم. وزاد استياؤهم بعد ثورة 1936، عندما قسم الانكليز البلاد بين العرب واليهود والانكليز، ووجدت المستوطنات الزراعية الألمانية نفسها في مناطق اليهود. في حين كان أصحابها يرفضون أن يكونوا في الدولة العبرية المقبلة.
في هذه الأجواء جاءت محاولات العرب لثني الألمان عن تشجيع الهجرة اليهودية إلى بلادهم. وهنا لا بد من التوقف عند أمر طالما بدا مثيراً للجدل، وطالما استغله الصهاينة ضد العرب عبر شخص الحاج أمين الحسيني.
وهنا لا بد من سوق عدة حقائق: أولها أنه كان لا بد للحاج الحسيني وهو يقود النضال الفلسطيني من الاتصال بكل القوى الكبرى المؤثرة في الوضع الفلسطيني- الصهيوني، وخاصة الهجرة. وأن ألمانيا كانت قبل الحرب واحدة من هذه القوى، مثلها مثل بريطانيا أو فرنسا أو سواها. وثانيها أن هذه الاتصالات قد بدأت فعلياً حول اتفاق الهافارا... أي لوقف التعاون النازي- الصهيوني، ولم يكن الحسيني أول من بدأها.
لقد كانت أهم قوة عربية في حينها هي العراق - عضو الأمم المتحدة - وكان وزير خارجيتها يونس السبعاوي، من خريجي ألمانيا، يتقن الألمانية، وهو من ترجم كفاحي إلى العريبة ولذلك اعتقد أن بإمكانه أن يتدخل بشكل أكثر فعالية. استدعى السبعاوي سفير ألمانيا لدى بغدا وأبلغه احتجاج بلاده على اتفاق الهافارا ورغبتها في وقفها. ورغم أن السفير وعد خيراً إلا أن شيئاً لم يحصل.
بعد ذلك عقد مؤتمر بلودان في سوريا، وضم مئتي مندوب عربي، بحثوا التورات في فلسطين وكان من بين ما تناولوه اتفاق الهافارا.
إثر ذلك قرر الحاج أمين الحسيني التدخل، فبادر إلى استدعاء القنصل الألماني في القدس، ثم أوفد مساعده يونس بحري، وبعده موفد آخر، تتالت الاتصالات، لكن جميع وعود وقف الهافارا لم تنقذ. وحيث كان هناك- كما ذكرنا- تياران داخل الإدارة الألمانية بخصوص إقامة دولة يهودية في فلسطين، فقد شجع التيار المعارض لهذا المشروع الحاج أمين، كما حاول هو أن يراهن على هذا الجانب، في محاولة لا مجال هنا لتناول جميع تطوراتها.
انقلاب غوبلر- ليلة الكريستال
لكن سياسة الهجرة هذه تعرضت لضربة كبيرة، تاريخية، عام 1938، على يد متطرفي الحزب بقيادة غوبلز، مما يمكن أن نطلق عليه: "انقلاب غوبلز" لأن المؤرخ الألماني هينز هوهن يرى في اندلاع العنف ذاك "تمرداً من صفوف الحزب على الدور المهيمن للأجهزة السرية في سياسة الرايخ الثالث اليهودية." مضيفاً أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن غوبلز، معتمداً على سترايشر لم يستشر لا هيدريش ولا هملر. وأن هتلر نفسه وجد نفسه أمام الأمر الواقع.
لقد استغل غوبلز إقدام يهودي بولوني شاب على اغتيال الملحق الثقافي في باريس، احتجاجاً على إجراءات ترحيل اليهود البولونيين من ألمانيا، ليفجر ليلة 9-10 نوفمبر 1938 التي عرفت باسم ليلة الكريستال حملة عنف رهيبة ضد اليهود.
وجن جنون هملر ورؤسائه فمن أعلن عن رعبه من المجزرة" ومن أعلن أن "ألمانيا قد خسرت معركة أخلاقية" ومن عبر عن استيائه. الخ... وتدخل غورينغ لإعلان غوبلز مسؤولاً، بعمله الأرعن، عن الإساءة إلى سمعة ألمانيا في الخارج. ومن ثم أمر هتلر غوبلز بالتراجع وأوكل مسؤولية المسألة اليهودية إلى غورينغ وحده.
وفي حين فهم الجميع أن هذه العملية هي ضربة موجهة لسياسة الهجرة، حسم هتلر الأمر بأن وجه يوم 24 يناير 1939 الأمر إلى هيدريش باستئناف سياسة الهجرة، وبشكل أكثر منهجية وتنظيماً بعد إنشاء "الإدارة المركزية للهجرة".
وكان الوضع في فلسطين قد أصبح أصعب منذ 1938، وفي 17 أيار 1939 قررت الإدارة البريطانية منع اليهود من شراء الأراضي، لتقرر في أول أكتوبر وقف الهجرة.
لكن الهجرة من ألمانيا استمرت بشكل سري بفضل تعاون الأجهزة السرية مع الهاغانا، بقيادة الياهو كولومب الذي كان قد أسس منذ 1937 مكتباً للهجرة تحت اسم الموساد (اليابث)، وكانت الأجهزة الألمانية تزيد من دعمها لهذا المكتب كلما زادت السلطات البريطانية ضغطها عليه. وفي صيف 1939 منحت عميل الموساد بينو جينسبورغ الذي كان قد وصل إلى ألمانيا مع عميلين آخرين حق ترحيل اليهود بحراً إلى فلسطين من مينائي هامبورغ وايمدن. فوضع خطة، كانت تقضي بأن يشهد شهر أكتوبر 1939 هجرة عشرة آلاف يهودي إلى فلسطين. لكن الحرب اندلعت.
وقد كتب جبنسبورغ: "لقد كانت مكاتبنا أمام مكاتب الغستابو، وكانوا يعرفون تماماً من نحن، وماذا نفعل، ولم تكن اللامشروعية تبدأ إلا على شواطئ فلسطين.
ربما كان الأمر يقتضي التوقف هنا لولا محطة أخيرة هامة ومثيرة، تعود إلى ما بعد اندلاع الحرب، أي إلى عام 1941 وهي عرض التعاون الجديد المعروف بوثيقة أنقرة.
المعاهدة السرية بين عصابة شتيرن والرايخ الثالث
لا شك أن واحدة من أكثر الحقبات المثيرة للدهشة في التاريخ، ليس فقط في تاريخ الصهيونية المراجعة، بل أيضاً في تاريخ الحرب العالمية الثانية، هي عرض التحالف الذي قدمه المسؤولون الإرهابيون اليهود في عصابة شتيرن للمسؤولين القوميين الاشتراكيين في ألمانيا عام 1941 للقتال ضد الانجليز. وتستند هذه الحكاية، غير القابلة للتصديق، إلى وثائق وشهادات دقيقة جداً. وربما كانت ستبدو مجنونة أو هامشية لو أن اسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل اللاحق والمسؤول العسكري عن فريق شتيرن، لم يكن متورطاً فيها.
"لقد أقنعت التجهيزات العسكرية البائسة للإيطاليين في ليبيا واليونان، جماعة شتيرن، بأن إيطاليا لا تمتلك وسائلها السياسية، على عكس ألمانيا، التي كانت تحصد في سنة 1940 نصراً إثر نصر. هذه الانتصارات أثرت في جماعة شتيرن وجعلتهم يندفعون في مغامرة مجنونة دون مآل: بناء تحالف مع ألمانيا الهتلرية. وحتى شباط 1941، راحت تعمل على تحويل هذا الهدف إلى واقع ملموس مستندة إلى تحليل خاص لوضع اليهودية. فهي ترى أن بريطانيا العظمى هي العدو الحقيقي في حين أن ألمانيا ليست سوى قامع ينتمي إلى سلسلة المضطهدين الذي لاقاهم الشعب اليهودي في تاريخه الطويل. وهنا برز الخطأ الرئيسي لشتيرن: فهم يرون في النازية حركة تسيرها "لاسامية عاقلة" (تلك التي كان جابوتنسكي يسميها "لاسامية الأشياء")... لذلك لم يكن تفسير إرسال مندوب عن عصابة شتيرن هو نفتاسكي ليفونشيك إلى بيروت عام 1941، باجتماع باوتو فول هينكنغ، مسؤول قسم الشرق في وزارة الخارجية الألمانية، ينحصر في هدف براجماتي بحت: إنشاء جبهة موحدة ضد انجلترا. ذاك أن النص، وبعد أن يعلن "وحدة المصالح بين أهداف النظام الأوروبي الجديد بحسب الرؤية الألمانية وتطلعات القومية الحقيقية للشعب اليهودي"، يذكر فكرتين قويتين: "التعاون بين ألمانيا الجديدة والحركة العبرية القومية الشعبية الوليدة" عبر مساهمة هذه الحركة في الحرب إلى جانب الرايخ. "والحل الإيجابي الجذري لمشكلة اليهود الأوروبيين بترحيلهم المكثف إلى فلسطين وإنشاء دولة اليهود التاريخية على قاعدة قومية شمولية مع ربطها بمعاهدة مع الرايخ الألماني.
جبهة الرايخ- الصهاينة ضد الانجليز
منذ بداية 1941 عرض لوبنتشيك، وهو مبعوث سري من قبل جماعة شتيرن التي كان الانجليز يطلقون عليها اسم عصابة شتيرن بسبب اعتداءاتها الإرهابية المتكررة، هدنة عسكرية بين المنظمة العسكرية القومية (أي الأرغون التي لم يكن شتيرن إلا فصيلاً منشقاً عنها) وألمانيا. ورغم محاولة إسدال ستار الصمت على هذا الاتفاق إلا أنه بات معروفاً تماماً فقد حمل عنوان (نص أنقرة) ونقل إلى برلين في 11 كانون الثاني 1941 ليعثر عليه فيما بعد في أرشيف السفارة الألمانية في تركيا. وهذا نصه الكامل.
"لقد ألح رجال الدولة الرئيسيون في ألمانيا القومية الاشتراكية، دائماً، وفي جميع خطبهم وتصريحاتهم، على أن إرساء نظام جديد في أوروبا لا بد وأن يتضمن شرطاً مسبقاً هو الحل الجذري للقضية اليهودية عن طريق الترحيل. إن ترحيل جماهير يهود أوروبا هو المرحلة الأولى في حل القضية اليهودية. وفي كل الأحوال فإن الوسيلة الوحيدة لبلوغ هذا الهدف هي إسكان هذه الجماهير في وطن الشعب اليهودي، أي فلسطين وإقامة دولة يهودية ضمن حدودها التاريخية. إن هدف جميع سنوات النشاط السياسي وصراع الحركة من أجل حرية إسرائيل والتنظيم العسكري القومي في فلسطين هو حل المسألة اليهودية بهذه الطريقة وتحرير الشعب اليهودي إلى الأبد. والمنظمة العسكرية القومية التي تعرف حسن النية الذي أظهرته حكومة الرايخ الألماني وممثليها، إزاء الصهيونية، وإزاء البرنامج الصهيوني تطرح للعمل النقاط التالية:
1-هناك مصالح مشتركة بين النظام الأوروبي الجديد المبني على المفهوم الألماني، وبين التطلعات القومية الحقيقية للشعب اليهودي، كما تدافع عنها المنظمة العسكرية القومية.
2-ثمة تعاون ممكن بين ألمانيا الجديدة وبين جماعة يهودية متجددة وعائدة إلى جذورها.
3-إن إقامة الدولة اليهودية التاريخية على أسس قومية وشمولية، وارتباطها بمعاهدة مع الرايخ الألماني، يساهمان في حفظ وتدعيم الوجود الألماني في الشرق الأوسط.
على قاعدة هذه الاعتبارات، وفي حال اعتراف حكومة الرايخ الألماني بالتطلعات القومية لـ"الحركة، لأجل حرية إسرائيل"، فإن المنظمة العسكرية القومية في فلسطين، تعرض أن تساهم بجزء حيوي من الحرب إلى جانب ألمانيا. ويكن أن يتضمن هذا العرض نشاطاً عسكرياً، اقتصادياً، أو استخبارياً داخل فلسطين. –وبعض التدابير التنظيمية- خارجها. وبالمقابل يتم تدريب يهود أوروبا تدريباً عسكرياً ويتم تنظيمهم في وحدات عسكرية تحت إدارة وقيادة المنظمة العسكرية القومية. وي حال تحقق جبهة موحدة، تأخذ هذه الوحدات نصيبها في عمليات قتالية لاحتلال فلسطين. إن المساهمة غير المباشرة لـ"الحركة لأجل حرية إسرائيل" في النظام الأوروبي الجديد، الذي ما يزال في مرحلة تحضيرية، ستدعم بقوة الأسس الأخلاقية للنظام الأوروبي الجديد في عين الإنسانية جمعاء، إذا ما اقترنت بإمكانية إيجاد حل جذري للمسألة اليهودية في أوروبا على أساس التطلعات القومية للشعب اليهودي. كذلك فإن التعاون مع حركة تحرير إسرائيل سيكون متوافقاً مع خطاب ألقاه مؤخراً المستشار الألماني السيد هتلر، يؤكد فيه دعوته إلى جميع التحالفات التي تهدف إلى عزل انجلترا والانتصار عليها.
تتشكل المنظمة العسكرية القومية من مجموعة من القناصة اليهود في فلسطين ومن الحركة المراجعة (التنظيم الصهيوني الجديد) التي كان للمنظمة العسكرية القومية ارتباط وثيق وشخصي معها عبر شخص جابوتسكي، وحتى وفاته. لكن موقف المنظمة المراجعة في فلسطين المؤيد للانجليز جعل تجديد هذا الاتحاد الشخصي مستحيلاً. وأدى إلى قطيعة كاملة بين الاثنين في خريف هذا العام، وإلى استئناف المنظمة العسكرية القومية لنشاطها بعد هذا الانشقاق.
إن هدف المنظمة العسكرية القومية هو إقامة دولة يهودية ضمن حدودها التاريخية وعلى عكس جميع التيارات الصهيونية، ترفض المنظمة الفكرة القائلة بأن التسلل الاستعماري الاستيطاني هو الوسيلة الوحيدة لدخول البلاد وامتلاكها تدريجياً. كلمة السر لديها هي: القتال والتضحية، كوسيلة وحيدة لتحرير واحتلال فلسطين. ونظراً لطبيعتها العسكرية وموقفها المعادي للانجليز، والذي يجعلها عرضة للقمع الدائم من بل الإدارة الانجليزية، تجد المنظمة العسكرية القومي نفسها مضطرة لممارسة نشاطها السياسي بشكل سري وكذلك، الإعداد العسكري لأعضائها في فلسطين.
لقد تميزت المنظمة التي بدأت أعمالها المسلحة منذ خريف 1936 تميزت بشكل خاص اعتباراً من عام 1939، بعد نشر الكتاب الأبيض الانجليزي، وذلك بتكثيفها لنشاطها الذي تكلل بالنجاح، في إرباك ومقاطعة المحتل الانجليزي. مما جعل جميع وسائل الصحافة في تلك المرحلة، تورد نشاطها، وتشير إلى بث إذاعتها السرية اليومية، وتعلق عليهما.
وقد كان للمنظمة، حتى بداية الحرب، مكاتب سياسية مستقلة في كل من فارسوفيا، باريس، لندن، ونيويورك. وكان مكتب فارسوفيا يهتم بشكل رئيسي بالتنظيم العسكري وتدريب وبناء الشباب القومي الصهيوني. كما كانت تقيم علاقات وثيقة مع الجماهير اليهودية التي كانت تتابع نظامها بحماس، خاصة يهود بولونيا الذين كانوا يساعدونها بكل الوسائل الممكنة. كذلك أصدرت صحيفتين في فارسوفيا.
من جهة أخرى كان مكتب فارسوفيا يقيم علاقات وثيقة مع الحكومة البولونية ومع الدوائر العسكرية التي كانت تراقب بأكبر قدر من الاهتمام والتفهم جهود المنظمة العسكرية القومية. التي قامت عام 1939، بإرسال وحدات سرية من عناصرها من فلسطين إلى بولونيا. حيث كان ضباط بولونيون، يقومون بتدريبهم وبنائهم العسكري في مراكز تدريب خاصة. لكن المفاوضات التي كانت دائرة بين المنظمة والحكومة البولونية لأجل تطوير مساعدتها بشكل ملموس، توقفت مع بداية الحرب. وهكذا فإن المنظمة، وبطبيعة بنيتها ورؤيتها للعالم هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحركات الشمولية الأوروبية. أما شل قدرتها القتالية، فلم يكن ممكناً، في أي لحظة، وذلك بسبب تدابير الدفاع الجذرية، إزاء الإدارة الانجليزية والعرب وإزاء الشيوعيين اليهود."
للوصول إلى إنجاح هذه الوثيقة قامت جماعة شتيرن بعدة مناورات تقارب، لدى الفرد روزر، مسؤول أجهزة الاستخبارات العسكرية الألمانية، واتو فون هينغ عضو وزارة الخارجية الألمانية والذي كان يعتبر رئيس الأجهزة السرية في دمشق وعليه تم ترتيب لقاء سري مع هذا الأخير في بيروت. "لم يخف ممثل ألمانيا أوتو فون هينغ، عن المبعوث الصهيوني لوبنتشيك، بأن في بلاده تياراً مؤيداً لإقامة دولة عبرية في فلسطين وأن هذا يمثل حلاً عملياً للمسألة اليهودية. وعلى أية حال فقد كان يعتقد بأن هذا التيار قد أصبح ضعيفاً بحيث لم يعد قادراً على أن يؤثر إيجابياً على قرارات الحكومة وأنه، وفي جميع الأحوال، قد فات الأوان على العمل. فقد قررت هيئة الأركان أن تؤمن لنفسها، في صراعها ضد بريطانيا في الشرق الأوسط، مساعدة العرب الذين يعدون بالملايين، وذلك أفضل من مساعدة اليهود الذين لم يكونوا إلا حفنة صغيرة. لكنه، وبالرغم من كل ذلك، وعد بنقل العرض المقترح إلى برلين. دون أن يتلقى لوبنتشيك جواباً أبداً."
سر خبـّئ لمدة ثلاثين عاماً
في 11 كانون الثاني عام 1941، أرسل هذا العرض إلى السفارة الألمانية في أنقره، حيث وجد بعد الحرب. ولا يعرف ما إذا كانت السلطات الألمانية قد ردت عليه وما هي ماهية الرد. علماً بأن جماعة شتيرن قد أرسلت إلى فون هينغ مبعوثاً آخر هو نافان ياكين مور، مدير جريدة الأرغون وواحد من قادة شتيرن الثلاثة. لكنه اعتقل في سوريا، بعد الهزيمة الفرنسية في تموز 1941 بينما كان يحاول أن يصل إلى تركيا.
لقد حاول البعض التشكيك بصحة وجود هذه الوثيقة، إلى أن قام أحد زعماء شتيرن التاريخيين وهو إسرائيل الداد سناب، بتأكيد وجودها قائلاً بأن رفاقه قد أوضحوا للقوميين الاشتراكيين أن "تماثل المصالح بين نظام جديد في أوروبا مبني على الرؤية الألمانية وبين تطلعات الشعب اليهودي في فلسطين ممثلة بالمقاتلين لأجل حرية إسرائيل (ليحي) هو أمر ممكن". كذلك فإن صحيفة هآرتز، قد كشفت النقاب عن وجود وثائق سرية أخرى، ومنها رسالة موجهة في كانون الثاني 1941 من السفير فرانز فون بابيل إلى وزارته في ألمانيا حول الاتصالات مع فريق شتيرن، والتقرير الذي قدمه العميل السري وورنر أوتو فون هينغ. كما أن صحيفة حوتام الأسبوعية قد أكدت أخيراً أن هذه الوثيقة حملت توقيعي اسحق شامير وآبراهام شتيرن، وقدمت إلى سفارة ألمانيا عندما كانت جيوش رومل ما تزال في مصر. ويبدو أن اسحق شامير (الذي كان ما يزال يحمل اسمه الحقيقي، اسحق يزرنسكي) والذي أصبح يما بعد وزيراً لخارجية إسرائيل ومن ثم رئيساً لوزرائها، هو أحد الذين حرروا هذا العرض، وذلك بفعل موقعه في منظمة شتيرن.
ولد شامير عام 1915 في روزني، في بيلوروسيا، حيث كان أبوه قد أسس مدرسة لتدريس العبرية، وبسرعة التحق الابن بالنضال في صفوف الحركة المراجعة. وصل إلى فلسطين عام 1935، وفي العام التالي أصبح مدرساً عسكرياً في "خلايا العمل الصهيوني" في منطقة تل أبيب. ليصبح منذ 1940 أحد أقرب المقربين إلى آبراهام شتيرن. أما بخصوص هذه الوثيقة فقد اضطر شامير مؤخراً إلى الاعتراف بأنه كان على علم كامل بمشروع العرض المقدم للرايخ الثالث في عز فترة اضطهاد اليهود في أوروبا، لكنه أكد أنه كان معارضاً لهذا المشروع. غير أن تأكيده لا يقنع أحداً، كونه كان في تلك الفترة واحداً من القادة الرئيسين في المجموعة الإرهابية. وقد عمل باروخ نال، وهو باحث وكان عضواً في مجموعة شتيرن، ثم انفصل عنها، طويلاً على معرفة درجة تورط شامير في هذه المفاوضات وتوصل إلى أنه من المقنع قطعياً أنه كان على علم كامل بذلك. أما المؤرخ ليني برينر فيتحدث كذلك عن "أكذوبة رسمية ناضجة". بدليل أن شامير كان مكلفاً، ففي خريف 1941، من قبل شتيرن بتنظيم حملة مساعدة وجمع تبرعات لملء صناديق المنظمة والسماح بتنظيم رحلة لمبعوثيها إلى ألمانيا. ويبدو أن سياسة التعاون هذه لم تتوقف فور موت ابراهام شتيرن وتولي اسحق شامير القيادة. بل أن مصادفة تزامن هذا الانتقال مع حدوث منعطف حاسم في الحرب، جعل موضوع انتصار الرايخ الثالث موضع شك أكثر فأكثر، هي التي دفعت شامير إلى عدم لعب ورقة التعاون هذه، بصفته قائداً للمنظمة.
خلال عام 1941 أوقفت الشرطة البريطانية اسحق شامير، وفي 21 شباط 1942 قتل ابراهام شتيرن. في 1 أيلول من العام ذاته هرب شامير من معسكر ميزرا حيث كان معتقلاً، وأطلق الحركة من جديد تحت اسم (ليحي) (المقاتلون من أجل حرية إسرائيل). وبهذه المناسبة وكما هو التقليد في المنظمات الإرهابية، عمد شامير إلى إعدام ثلاثة من أعضاء المنظمة الذين لم يكونوا يتجاوزون العشرين: مسؤول الاستخبارات الذي اتهم بالتعاون مع البيطانيين، وعنصر هرب من القتال، وأفضلُ خبير في الاعتداءات اتهم بأنه بالغ التطرف وخارج عن السيطرة. وعندما أصبح شامير وزيراً للخارجية، أعاد الانجليز إلى الأذهان أنه كان منظم عمليتي اغتيال شهيرتين: اغتيال اللورد من المندوب العام البريطاني في مصر في 6 تشرين الثاني 1944 واغتيال الكونت فولك برنادوت الوسيط الخاص للأمم المتحدة في فلسطين في 17 أيلول 1948 أي بعد أن أصبحت إسرائيل دولة مستقلة.
في عام 1946 اعتقل شامير مرة أخرى، وذلك بعد عملية فندق داود في القدس، نقل إلى أسمره في آريتيريا ومن هناك هرب إلى جيبوتي في كانون الثاني عام 1947. لكنه أعيد إلى السجن إلى أن أطلق سراحه وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان الذي منحه اللجوء السياسي في فرنسا بطلب من المنظمات اليهودية المتطرفة هناك. وفي أيار 1948 ظهر شامير من جديد في الدولة الإسرائيلية الوليدة، حيث تابع تنظيم وتنسيق العمليات الإرهابية. إلى أن تم حل ليحي بأمر من بن غوريون بعد اغتيال الكونت برنادوت في 17 أيلول 1948. ويذكر أن يالين مور الذي كان المندوب الآخر لفريق شتيرن، كما ذكرنا، قد اعتقل بعد عملية الاغتيال المشينة هذه وحكم بثماني سنوات سجن بتهمة ممارسة الإرهاب. ولم يلبث أن صدر بحقه عفو في السنة التالية، إثر انتخابه عضواً في الكنيست. بعد ذلك وضع شامير معارفه في موضوع الإرهاب والخطف في خدمة الموساد، حيث أصبح منذ عام 1955 أحد أهم مساعدي عايزر هاريل رئيس الأجهزة السرية. وفي عام 1965 وهو تاريخ وصوله إلى التقاعد، كان رئيساً لمكاتب الموساد الخاصة بأوروبا. بعد أن تفرغ بضع سنوات لهذا العمل، التحق بحزب حيروت في عام 1970 ليباشر حياة سياسية متسارعة: ينتخب عضواً في الكنيست في كانون الثاني 1973 ثم يصبح رئيساً لها بعد ذلك بسنتين. ثم ناطقاً رسمياً باسمها عام 1977 قبل أن يحل محل موشيه دايان في وزارة الدفاع في آذار 1980..
ملامح من الإرهاب الصهيوني
سبق أن قمنا وفي العديد من مقالاتنا بتناول موضوع الخلط الشائع لدى قطاعات شعبية عريضة ولدى مجتمعات النخبة العربية بحد ذاتها بين (الصهيونية) و(اليهودية) من دون التمييز بينهما، حيث نرى المثقف ذا الميول القومية والإسلامية والوطنية يلتقي مع فئة المتلبرلين العربان الجدد في كون أن اليهودية هي ذاتها الصهيونية ولكن باختلاف النوايا والمقاصد بين الطرفين المثقفين المتضادين.
ومما لا شك فيه فإني أرى أن ذاك الخلط الشائع الذي أصاب الجميع، والذي بات أحياناً وللأسف حالة معولمة ذات نطاق عالمي قد أسهم بشكل فارق وكبير في تشويه وتحريف العديد من المفاهيم والرؤى والمواقف حيال العلاقة بين الصهيونية كأيديولوجية قومية وعنصرية واستعمارية غربية فكراً بامتياز وتستند على فكرة إقامة وطن قومي لليهود في الأرض الموعودة (فلسطين) من جهة وبين اليهودية كديانة سماوية رحبة في نصوصها وشروحاتها وأركانها المتعددة من جهة أخرى. وقد كان أبرز من دعا إلى ضرورة التفريق ما بين اليهودية والصهيونية من أجل قيادة المعركة المصيرية في الاتجاه الصحيح هو المثقف الموسوعي والخبير الأبرز في شئون اليهود واليهودية والصهيونية في العالم العربي ألا وهو الدكتور عبدالوهاب المسيري الذي أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته ذات المحتوى الفكري والمعرفي العميق حول الشأن اليهودي والصهيوني والتفريق بينهما باعتبار أن الصهيونية تقوم بتدبيج مقاصدها وأهدافها الاستعمارية بشعارات ومصطلحات ومفاهيم دينية توراتية/ تلمودية متعددة بهدف إيهام أكبر عدد ممكن من الناس سواء أكانوا يهوداً فيعتنقونها أم أغياراً فيعتبرونها هي واليهودية وجهان لعملة واحدة بصورة تحمل كثيراً من الحيف والظلم المبني على أسس غير سليمة والجاهل لوجود آيات كثيرة في بطون المجلدات والكتب اليهودية المقدسة المتنافية بحدية وشدة مع الأهداف الصهيونية الأولية.
وحتى ندلل على مثل هذا التنافي والاصطدام بين الديانة اليهودية والأيديولوجيا الصهيونية لا بد لنا من أن نستشهد بالمقولة الشهيرة والتي تمثل جوهرة روح الصهيونية لأحد أبرز القادة الصهيونيين وهو ديفيد بن غوريون، والذي يعد أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني وهو الذي قام بتلاوة بيان إعلان قيام دولة "إسرائيل" على الأرض الفلسطينية المغتصبة ، حيث يقول بن غوريون بمنتهى الصراحة وذلك أثناء اجتماع للعمال الصهاينة في بريطانيا العظمى في عام 1938م «لو كنت أعلم بأنه سيكون من الممكن إنقاذ جميع الأطفال (اليهود) في ألمانيا من خلال إحضارهم إلى بريطانيا، أو بالإمكان فقط إنقاذ نصف هؤلاء الأطفال (اليهود) من خلال نقلهم إلى أرض "إسرائيل"، فسأختار على الفور الخيار الثاني»، كما يمكننا أن نستشهد بتصريح السيد إسحاق غرينباوم رئيس هيئة الإنقاذ بالوكالة اليهودية مخاطباً المجلس الصهيوني التنفيذي بتاريخ 18 فبراير 1943م «إذا سئلت هل بإمكانك تقديم الأموال من الوكالة اليهودية المتحدة لإنقاذ اليهود؟ سأقول «لا، وسأقول للمرة الثانية لا»، كما أنه أعلن صراحة وفي مناسبة أخرى بأنه وانطلاقاً من صهيونيته الاستعمارية المتقرحة فإنه يرى بأن «بقرة واحدة في فلسطين تساوي أكثر من جميع اليهود في بولندا»!!!
فهل يمكننا أن نمازج بين الصهيونية واليهودية بعدئذٍ، حيث تفضل الأولى (الصهيونية) البقرة الفلسطينية على اليهود البولنديين جميعاً، في حين من المفترض أن ترفع الثانية (اليهودية) من شأن اليهود من دون غيرهم من البشر الأغيار (الغويم) باعتبارهم مؤمنين موحدين وأصحاب رسالة نورانية طاهرة لهداية البشرية؟!! هل يستوي الارتفاع باليهودي مع الانحدار به؟!!
وللأسف فإنه بالإضافة إلى التعميم والدمج بين اليهودية والصهيونية يوجد هناك خطاب آخر يتم تسويقه من قبل البعض عن عمد كالمتلبرلين العربان/ الغربان الجدد حيث يدعو بعضهم إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني المسمى "إسرائيل" كسبيل لإيجاد علاقة حضارية مشرقة بين اليهودية والإسلام لتحويل الشرق الأوسط إلى جنة عدن بالعقلية اليهودية والمال والعمال العرب وهي دعوة قديمة متعفنة مهملة في أضابير وسجلات الداعين إلى التطبيع ((المدفوع الأجر)) مع الكيان الصهيوني .
كما ويدعو آخرون بسذاجة سياسية/ تاريخية ومن دون أدنى وعي إلى إقامة السلام مع الكيان الصهيوني وعقد الاتفاقيات المعسولة/ المغسولة وتطبيع شتى أنواع العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني حتى يعود الرخاء والسلام على الجميع مستحضرين في دعواتهم (المعابة عليه) أبعاداً ونفحات تاريخية إسلامية تتمحور وتتموضع في سياق الحديث عن صلح خيبر بين اليهود والمسلمين في المدينة على زمن حبيبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)!!!! هل هناك سذاجة وخلط وتعميم أكثر من ذلك؟!! يجب لأمثال هؤلاء التعمق في فهم الظاهرة الصهيونية وعلاقتها باليهودية واستلهام مناهج القراءة الموضوعية والعلمية للتاريخ والتعاطي بحيادية مع الشأن السياسي قبل أن يصدروا أحكامهم الشاذة والواهية والمبنية على وهن التبرير أكثر من كونها مبنية على قاعدة صلبة لاجتهاد علمي ومعرفي يليق بالفقهاء والشيوخ والمثقفين والمفكرين وغيرهم، مثلما يليق بمسئولياتهم الكبرى بحق الأمة والدين، عسى أن يخرجوا بأن من يقوم بدعم المخططات والمشاريع الصهيونية الإمبريالية من خلال الدعوة إلى تفعيل وإيجاد آليات التطبيق لأجندة التطبيع مع الكيان الصهيوني هو في الوقت نفسه لا يقوم بدهس أشلاء ودماء الفلسطينيين وقبور شهداء الأمة العربية والإسلامية فقط ، وإنما هو يسهم في امتهان حرمة الدماء اليهودية الطاهرة للأبرياء والمدنيين، والتي تفردت الأجهزة الصهيونية بسفكها أكثر من غيرها وبشكل استغلالي لم يشهد له مثيل في البشاعة، حيث يتحدث الكاتب اليهودي جيرشوم جورنبرج في كتابه الجديد «الأيام النهائية» عن الاستغلال الصهيوني الذي مارسته وتمارسه العديد من الأطراف المتصهينة والمتمصلحة بحق اليهود فيكتب «المسيحيون الصهاينة لا يحبوننا نحن اليهود حباً حقيقياً، وإنما يحبوننا كأشخاص يقومون بأدوارهم في روايتهم، وتستكمل بهم الحبكة الدرامية ومقومات الموضوع الذي يروجون له ويؤمنون به»، وبالإضافة إلى هذا الاعتراف الصريح المنشور مؤخراً تناول موضوع الاستغلال والاضطهاد التدميري الذي قامت به الصهيونية في حق اليهود واليهودية العديد من الحاخامات والمفكرين والمثقفين اليهود المناهضين لتسلط الجلاد الصهيوني، ولعل من أبرزهم الحاخام (Elchonon Wasserman) الذي كتب بمرارة في عام 1938م بأنه «يجب اعتبار الصهاينة بأنهم المضطهدين الرئيسيين للشعب اليهودي، حيث إنه من المحرم أن يتم اللجوء إلى استخدام تلك الأساليب والطرق التي يزاولها الصهاينة!! »، كما أنه كتب في مناسبة أخرى ومن خلال إحدى تأملاته في التوراة بأنه «من المعروف أن الشعب اليهودي عانى دوماً من شيئين وهما: الغرباء على اليهود والأقرباء من اليهود، وهؤلاء الأخيرون (الأقرباء من اليهود ويعني بهم في هذا الصدد الصهاينة من داخل الديانة اليهودية) ساهموا في غرس وتجديد المعاناة اليهودية من خلال التشبث بمخلصيهم المنتظرين المزيفين والذين تم من خلال الإيمان بهم الزعم بتحقق وعد العودة إلى الأرض المقدسة، وستكون ذروة ونهاية ما سينجزونه (الصهاينة) هي في قيام آلاف اليهود بالتخلي عن اليهودية!! ».
وهذا الاستغلال الصهيوني لليهودية، والذي أصبح في أحد المراحل التاريخية ولا يزل اضطهاداً بحق اليهود واليهودية سنتكفل بتناوله في مقالاتنا الأخرى من باب الحديث عن دور الأجهزة الصهيونية في ترسيخ ذلك الاضطهاد والاستهداف لليهود وممارسته بغية تحقيق أهداف أيديولوجية استعمارية أصيلة، بالإضافة إلى أننا سنقوم بتسليط الضوء بصورة أكثر على العلاقة الوثيقة، والتي كانت تربط بين الحركة الصهيونية والنظام النازي في ألمانيا.
(2)
لجأت الصهيونية ولا تزال تلجأ بشكل أساسي إلى التركيز على استثمار ما يسمي ظاهرة معاداة السامية على أحسن وجه، وذلك من خلال تبني الأساليب والمناهج كافة حتى إن كانت قذرة ودموية ليتم فيها تصفية ولو ضحايا يهود أبرياء في سبيل دفع المشاعر والاعتقادات والاعتبارات لدى الفئات والطوائف اليهودية قدماً للاعتقاد والجزم بوجود واقع معاداة السامية أو بالأحرى معاداة اليهود، مما يسهم في تيسير تحقيق أهداف القادة والمخططين الصهاينة على أحسن وجه والمتمثلة في تكريس الروح الانفصالية والانعزالية اليهودية «الجيتوية» وبالتالي يتم قطع الانتماء مع المجتمع المحلي - الخارجي الذي يعيش فيه اليهودي باعتباره مواطناً مع غيره من المواطنين المتعددي الأعراق والثقافات والاعتقادات، وبالتالي يؤدي إلى تحقيق الهدف والغاية الكبريين المتمثلين في حفز حركة الهجرة اليهودية لشتى الطوائف والفئات اليهودية من مجتمعاتها الأصلية إلى أرض الميعاد المقدسة (فلسطين).
وفي مثل هذا السياق نجد أن ذلك الهيام والعشق والتغزل الصهيوني الغريب بظاهرة معاداة السامية يتخذ شكلاً أكثر صراحة وجرأة فيما استفاض في تدوينه الكاتب اليهودي النمساوي «ثيودور هرتزل» الذي يعد أحد أبرز المؤسسين للصهيونية في حلتها الجديدة، وذلك في يومياته التي تتضمن نصوصاً قطعية مثل «معاداة السامية التي تعد القوة الخفية الكامنة في عمق العقل اللاواعي للحشود، لن تسهم في التسبب في الأذى لليهود. وإني بنفسي أجدها مفيدة ومواتية لبناء الشخصية والتعليم اليهوديين من خلال الحشود الشعبية الأجنبية التي ستقوم باستيعابنا وامتصاصنا. هذا التعليم لا يمكن أن تقوم له قائمة دون المعاناة، واليهود سيتكيفون مع ذلك»، بالإضافة إلى اعترافه وبهجته الغامرة بتفشي مظاهر العداء للسامية ليكتب بانتشاء وجذل في يومياته «من الأساسي والجوهري أن تصبح معاناة اليهود أسوأ حالاً.. هذا سيساعد في تحقيق مخططاتنا.. لدي فكرة ممتازة.. سأقوم باستمالة واستحاثة معاداة السامية حتى تتحول الثروة والموجودات اليهودية إلى نقود.. إن معاداة السامية ستسهم في مساعدتنا فيما يتصل بذلك من خلال تقوية الاضطهادات والمضايقات بحق اليهود. إن المعادين للسامية سيكونون من أعز أصدقائنا». لذا فكان من المتوقع ألا تمانع أو تتردد الصهيونية في إحدى مراحل جنونها الاستعماري المقيت في أن تستهدف وتصفي جسدياً اليهود أنفسهم بمنتهى القذارة أو حتى تتخلى عنهم ولا تبالي بمآسيهم إكراماً للعيون الآسرة لمعاداة السامية، التي لابد لها أن تستمر وتتسمر في أرضية وبنية المجتمع الخارجي الأجنبي حتى يستمر ويتسمر الكيان الصهيوني في أرضية فلسطين الذي لا يتغذى ويسترد عافيته وتوازنه إلا من خلال امتصاص «جلوكوز» الهجرة اليهودية نحو أرض الميعاد!
ولعل أحد تلك التجليات النادرة والمهملة من الإعلام المحلي والدولي على حد سواء، التي نرى فيها انتهازية صهيونية واضطهاداً وتواطؤاً ولامبالاة بدماء وأرواح اليهود في سبيل تحقيق أهداف أيديولوجية هو فيما دَونه البطل اليهودي الشعبي أثناء الحرب العالمية الثانية الحاخام «ميخائيل وايزماندل» في كتابه التاريخي الهام لأعوام الحرب العالمية الثانية من عام 1942م إلى عام 1945م، الذي سماه «من الأعماق»، حيث يروي فيه بأسلوبٍ مؤثرٍ عمليات الترحيل والإخضاع للقيام بالأعمال الشاقة والخدمة والاستعباد وممارسة الإبادة الجماعية الوحشية، التي تعرض لها اليهود القاطنون في سلوفاكيا من قبل الأجهزة العسكرية النازية والحكومة الدمية الموالية لها، حيث جاهد الحاخام «وايزماندل» واضطر إلى مواجهة العديد من التحديات والمخاطر واللجوء إلى ممارسة الأساليب الشرعية وغير الشرعية كافة في سبيل إنقاذ أرواح عشرات الآلاف من اليهود من الإبادة انطلاقاً من إحساسه بالمسئولية الإنسانية والدينية، واستجابة للآلام والجراح والطعنات العديدة التي فطرت قلبه على مرأى تلك الدماء المسفوكة والإنسانية المغتصبة والأرواح الفائضة من دون أدنى سبب سوى احتراق وقود الكراهية العمياء المحرك للعجلات النارية للتطرف والتمييز العرقيين والدينيين، إلى أن توصل في الأخير ومن خلال اتصالات دبلوماسية رسمية وما وراء رسمية من أعلى المستويات حتى أدناها وذلك مع الحاخامات والمجالس الدينية اليهودية من جهة والقيادات النازية من جهة أخرى، توصل إلى مخرج صغير ولكنه يبدو أنه سيسهم في إنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح اليهودية المرعوبة من أن تفاض، حيث تم عقد صفقة ذهبية ونادرة كادت أن تفقد الحاخام عقله فرحاً وبهجةً واطمئناناً - كما كتب - حيث يقوم بمقتضاها الحاخام «وايزماندل» بدفع مبلغ بسيط من المال هو 50.000 دولار أمريكي على شكل دفعتين هما 25.000 دولار أمريكي و25.000 في سبيل وقف عمليات الترحيل الجماعي لليهود ومصادرة ممتلكاتهم، بالإضافة إلى وقف وتعطيل عمليات الاعتقال والإبادة الجماعية بحق اليهود، بشرط ألا يكون مصدر تلك الأموال سلوفاكياً (محلياً)! لذا فإنه من أجل تأمين هذا المبلغ البسيط لحماية أرواح يهودية غالية أجرى الحاخام «وايزماندل» مع الوكالات اليهودية الخارجية والمرتبطة بالقيادات الصهيونية اتصالات عديدة ومتنوعة على أمل أن تتكلل بتأمين المبلغ المطلوب لإنقاذ آلاف الأرواح وعصم آلاف الرقاب والدماء اليهودية من السفك والاستباحة، إلا أن الحاخام «وايزماندل» قد خاب رجاؤه أخيراً، وأحس بغصةٍ أليمةٍ كادت أن تودي بحياته خيبةً وحيرةً وقهراً، ووصف شعوره بأنه أحس حينئذٍ وكأنما بيته انهار بالكامل عليه حينما رمت الوكالات والمؤسسات اليهودية الصهيونية العالمية برجائه في وجهه علناً، ولم تبال أو حتى تكترث بتأمين هذا المبلغ في سبيل حماية الأرواح اليهودية مما يخالف أهدافها «المثالية» التي أنشئت لأجلها! بل إنها وبعد مزيد من التوسل والتذلل من قبل الحاخام «وايزماندل» لها لتوفير هذا المبلغ البسيط بالمقارنة مع موجودات وأصول وميزانية هذه المؤسسات والوكالات اليهودية الصهيونية العالمية تذرعت من خلال خطاب كتابي أرسل من السيد سالي مائير كتب فيه إن مبلغ 50.000 دولار أمريكي هو مبلغ كبير جداً بالنسبة إلى بلد صغير جداً! وتم بعدها الاشتراط بضرورة تبيان الأسباب الواقعية لطلب مبلغ كبير جداً مثل هذا المبلغ وفي هذا الوقت بالذات، وضرورة توفير البراهين والوثائق الدامغة بخصوص حدوث عمليات إبادة بحق اليهود، حيث إن معظم القصص حول عمليات الترحيل والإبادات الجماعية هي مبالغ ومغالى بها (هذه الرواية الصهيونية في تلك الفترة!)، وبعدها تم إغلاق أبواب خزانة مؤسسات الإنقاذ الصهيونية العتيدة لتفتح أبواب خزائن العالم الآخر فتفاض نحوها عشرات الآلاف من الأرواح اليهودية!
وربما جاء بعدها تفسير بليغ لطبيعة هذا السلوك الصهيوني الطبيعي جداً ممثلاً في المقولة الشهيرة للعراب والمفكر الصهيوني الشهير زئيف جابوتنسكي حينما كتب: «لا توجد هناك عدالة أبداً، لا يوجد هناك قانون، كما أنه لا يوجد هناك رب في الفردوس الأعلى، وإنما يوجد فقط قانون أوحد يقرر أنه يجب أن يكون هنالك استقرار ورسوخ يهوديان في أرض فلسطين! » أو ربما نجد تفسيراً جذرياً لدى المستر حاييم وايزمان أحد كبار العرابين الصهاينة لدواعي هذا السلوك الصهيوني الواقعي بامتياز، حيث يجهر مستر وايزمان بخوفه ورهبته في الكونجرس الصهيوني إبان الحكم النازي الهتلري لألمانيا فيقول: «أنا خائف من أننا اليوم بصدد استبدال مفهوم إنقاذ اليهود بمفهوم التحرر لأن الصهيونية هي حياة دائمة، في حين أن عملية إنقاذ أرواح آلاف اليهود لا يمكن اعتبارها إلا مجرد حياة مؤقتة بجوار الصهيونية ولا يمكن أن ترقى إليها أبداً!».
إذاً هذا يعطي الضوء الأخضر «الفلاش» بأن تسفك دماء آلاف اليهود وليبادوا عن بكرة أبيهم إكراماً وإجلالاً وإحرازاً لرموش وعيون الحياة الصهيونية الأزلية، ولا مانع من التخلي عن بضعة آلاف من شعب الله المختار مثلما يتخلى عن القطعان الموبوءة في سبيل تحقيق الأحلام الصهيونية العمياء الدامية! ومما لا شك فيه يمكننا أن نتفهم حينئذٍ سخط ونقمة أحد أبرز الحاخامات اليهود وهو الحاخام «أفراهام يوشي» حينما يهاجم بعنف الصهاينة والصهيونية المجرمين بحق اليهود واليهودية فيقول: «ليسوا لأنهم صهاينة فهم بالتالي أشرار، وإنما لأنهم أشرار فهم بالتالي صهاينة!».
(3)
رغم توافر المادة العلمية الثرية والمتكاملة الجيدة حول العلاقات التاريخية الوثيقة بين الحركة الصهيونية العالمية الحديثة والنظام الألماني النازي، ولا نعني هنا علاقات تشابه تنشأ عن مقارنة فكرية ومنهجية بين الصهيونية والنازية وإنما نحن هنا بصدد الحديث عن علاقات اتصالية وظيفية وتنسيقية مباشرة ازدهرت في مرحلة تاريخية محددة بذاتها بين الطرفين.
رغم وجود الوثائق والبيانات والحقائق والشهادات التاريخية التي تبرهن على كثافة تلك العلاقات والاتصالات بين القادة النازيين والقادة الصهاينة فإننا للأسف كعرب ومسلمين وإنسانيين عالميين فشلنا للأسف في استغلال هذه الورقة الرابحة لصالحنا من خلال استخدامها في فضح الجلاد الصهيوني الذي لا يكل أو يمل تارةً من جلد من يقف في طريق مصالحه الجشعة بتهمة معاداة السامية، كما أننا فشلنا في إحراج الصهيونية التي أخذت تبتز الجميع بالتهمة ذاتها، فشلنا في إحراج المبتز الأعظم أو بكلمات أخرى فشلنا في ابتزازه رغم سهولة هذا الأمر من خلال عرض وتناول طبيعة تلك العلاقات الوظيفية التنسيقية بين الصهيونية والنازية والمتمثلة في اضطهاد اليهود والمساهمة في ترويعهم وتخويفهم وتكريس واقع انفصالهم العضوي والوظيفي عن المجتمع الألماني بل الأوروبي الذين عاشوا فيه وأسهموا في المشاركة في بنائه ووضع لبنات تقدمه الاجتماعي وتحولاته المختلفة، وذلك من خلال السعي إلى إحياء الوعي لحقيقة وجود واقع فعلي معادٍ للسامية ولليهود بشكل خاص في هذه المجتمعات لا يمكن التعاطي معه بإيجابية ومعالجته بشكل فعال إلا من خلال دعم الهجرات اليهودية المتعاقبة والمتكاثفة إلى أرض الميعاد (فلسطين) والمساهمة في تيسير جميع السبل من أمامها.
وقد اطلعت منذ فترة ليست بالقصيرة على عددٍ من الدراسات التاريخية والتفصيلية حول واقع العلاقات الصهيونية - النازية في عقد الثلاثينيات حتى الأربعينيات من القرن السابق إلا أنني لم أحقق لنفسي إشباعاً معرفياً عسيراً في هذا الموضوع رغم ما يحويه من ثغرات جوع أو بالأحرى اكتفاءً معرفياً ذاتياً يستحال تحققه نظراً لطبيعة المعرفة النسبية الاستمرارية وغير القابلة للاكتمال مع استمرارية جريان غدير الزمان، ولكن لعل أفضل ما اطلعت عليه من ناحية المصداقية والتوثيق والشمولية هو مقال (الصهيونية والرايخ الثالث) الذي كتبه الباحث (مارك فيبر) من مؤسسة الدراسة والمراجعة التاريخية حيث استعرض فيه مرحلة مهمة ومتميزة من تلك العلاقات الوظيفية التنسيقية والمتميزة التي كانت تربط بين القادة الصهاينة والقادة النازيين في ألمانيا وملحقاتها المحتلة، حيث يذكر الكاتب أنه أثناء الثلاثينيات كان الصهاينة اليهود والألمان المنتسبون للحزب الاشتراكي القومي الألماني (النازي) يتشاطرون رؤية موحدة حول كيفية التعامل مع ملف القضية اليهودية المعقدة، إذ يلتقي الطرفان في الإيمان بأن الألمان واليهود ينتميان إلى قوميتين مختلفتين مما يعني أن اليهود لا ينتمون إلى ألمانيا ولا يمكن أن ينتموا إليها أبداً وهم بذلك يشكلون أعضاءً في مجتمع قومي منفصل.
كما أن الكاتب فيبر يستعرض في مقاله محتوى المذكرة التفصيلية التي قدمها الاتحاد الصهيوني الألماني إلى الحكومة النازية الهتلرية الجديدة، والتي نصت على ضرورة أن يكون هنالك تعاون وعلاقات وظيفية تنسيقية فعالة بين الحركة الصهيونية العالمية والحكومة النازية على مستوى رسمي من الدرجة الأولى من أجل حل القضية اليهودية بما يوائم بين مصالح الجانبين، كما بين الكاتب فيبر أن هذه المذكرة الموثقة قد احتوت على عددٍ من الخطوات كان أولها يقترح ضرورة الاعتراف الأساسي والمتبادل بالاختلافات القومية الجذرية بين اليهود والألمان، كما احتوت هذه المذكرة على توضيح للرؤية الصهيونية حول إعادة إحياء الحياة القومية للشعب كما هو حاصل في ألمانيا التي يتم فيها تأكيد الجذور الجرمانية العرقية والقومية والهوية الدينية المسيحية، حيث لابد من أن يقود إلى إدراك التمييز الصريح بين الألمان واليهود الذين لهم أصلهم القومي المختلف والفريد المنفصل عن الألمان، وبالإضافة إلى ذلك فقد جاء نصاً في المذكرة «نحن نؤمن بأن الاشتراكيين القوميين الألمان (النازيين) يمكنهم ومن خلال عزمهم الواضح على التناول للمسألة اليهودية أن يقوموا باتخاذ خطوات حاسمة من أجل حل هذه القضية» وذكر معدو هذه المذكرة التفصيلية أنهم وبمقتضى اعترافهم بتميز وانفصال القومية اليهودية فإنهم يعترفون أيضاً بالاختلافات الحاسمة والمصيرية للشعب الألماني المنطلقة من العرقية والقومية الألمانية والمختلفة.
وقد حرص الصهاينة الذين أعدوا تلك المذكرة على تبيان أوجه التقاء الآراء والرؤى مع نظرائهم النازيين من خلال محاربتهم لفكرة الزواج المختلط وحرصهم على النقاء العرقي ورفضهم الصارم لأي تعد أو انتهاك أو عبث في الملكية الثقافية. وبين الكاتب فيبر في مقاله أن الصهيونية من دون شك كانت تعمل وتحرص كل الحرص على وجود حكومة معادية بشكل جذري لليهود في ألمانيا حتى تتمكن من إنجاح مشروعها، وقد أثبت الصهاينة جدارتهم وكفاءتهم المهنية العالية في ذلك أيما إثبات حيث أثمرت جهودهم المتفانية دعماً لا نظير له من قبل الحكومة الهتلرية للصهيونية والهجرة اليهودية لفلسطين من عام 1933م حتى بداية الأربعينيات مع اشتداد الحرب العالمية الثانية حيث انشغلت السلطات النازية عن جهود التعاون المشترك مع الصهيونية لتتفرغ لمواجهة الحلفاء.
وحين تناول تشريح أكثر الأجهزة حماسة وفاعلية ضمن السلطة النازية للتعاون التنسيقي مع الصهيونية لا بد لنا من إنصاف الجهود الكريمة لمنظمة الأمن الوقائي النازي (SS) التي قدمت ورقة عمل بتاريخ 1934م حيث تطالب بإلحاح الحكومة النازية والحزب النازي على حدٍ سواء بأن يقدما دعماً كبيراً وفعالاً للحركة الصهيونية العالمية من خلال تقديم الدعم المادي وكافة أشكال الدعم للهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد (فلسطين) عبر السعي إلى تشجيع الوعي القومي اليهودي الذاتي وإقامة المدارس اليهودية المستقلة والاتحادات اليهودية الرياضية والمنظمات اليهودية الثقافية بألمانيا النازية ومستعمراتها.
وقد قام بالفعل مسئول منظمة الأمن الوقائي النازي ليوبولد فان مايلدنشتاين والقائد الصهيوني كورت تاتشلر بزيارة استغرقت ستة أشهر لأرض الميعاد للإطلاع على مدى التقدم الصهيوني بفلسطين، كما أنه تم نشر هذه الزيارة بإحدى الصحف الرسمية الألمانية وهي (Berlin daily Der Angriff ) في سنة 1934م تحت عنوان زيارات نازية لفلسطين، كما قامت هذه الصحيفة بنشر صورة لميدالية خاصة تضم في إحدى جوانبها الصليب النازي المعقوف وفي الجانب الآخر نجمة داود السداسية بغية تأكيد التضامن والتحالف الوثيق بين الصهيونية والنازية، أما الصحيفة الرسمية لمنظمة الأمن الوقائي النازي فقد أظهرت مدى تضامنها اللامحدود مع الحركة الصهيونية من خلال ما نشرته وبـ «البنط» العريض في شهر مايو عام 1935م أنه «لا يبدو الوقت بعيداً جداً حينما ستقوم فلسطين أخيراً باحتضان أبنائها الذين افتقدتهم منذ آلاف السنين والذين يسرنا أن نقدم لهم تمنياتنا الصادقة ومشاعر الود والرضا والارتياح لترافقهم في رحلتهم إلى وطنهم»! كما صرح رئيس الاتحاد الصهيوني السابق بألمانيا الدكتور (هانز فريدنتثال) بأن الغستابو (جهاز الاستخبارات النازية) قدم كل ما باستطاعته لنا من أجل تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على وجه التحديد، كما أنهم لم يترددوا أبداً عن تلبية مطالبنا في هذا الأمر.
وقد جاء إصدار قانون نورمبرغ في سبتمبر عام 1935م ليتوج تلك الجهود المتبادلة، حيث نص هذا القانون على منع الزواج المختلط بين الألمان واليهود واعتبار اليهود أقلية قومية دخيلة وغريبة عن المجتمع الألماني وقد قوبل هذا القانون بترحيب شديد وحار من المنظمات الصهيونية الألمانية. وفي إحدى المسيرات اليهودية الصهيونية بمدينة نيويورك صرح ستيفن وايز رئيس الكونجرس اليهودي الأمريكي في يونيو عام 1938م «أنا لست مواطناً أمريكياً بإيمان يهودي، وإنما أنا يهودي. هتلر كان محقاً في أمر واحد هو تصنيفه لليهود بأنهم عرق ونحن عرق».
وللإشارة إلى نموذج مجسم للتنسيق النازي - اليهودي فإننا ينبغي أن نشير إلى تلك المخيمات التي أنشئت بإذن من السلطات الألمانية النازية، والتي بلغ عددها حوالي أربعين مخيماً ومراكز زراعية في شتى ربوع ألمانيا حيث يتم فيها تدريب المستوطنين الصهاينة اليهود المستقبليين على التأقلم مع حياتهم الجديدة في فلسطين، وانطلاقاً من الاحترام العميق والتوقير الأجل الذي يكنه الصهاينة لقانون نورمبرغ (السالف الذكر) الذي يحرم على اليهود أن يرفعوا الأعلام الألمانية فقد منحت السلطات الألمانية النازية لليهود حق رفع العلم القومي الوطني اليهودي (علم "إسرائيل" حالياً) فيكتب (فيبر) مستغرباً «علم "إسرائيل" كان يرفرف على المراكز والمخيمات الصهيونية في شتى أنحاء ألمانيا الهتلرية» . ولعل أبهى صور التكامل والتطور للعلاقات النازية والصهيونية الوظيفية التنسيقية هي تلك المتمثلة في اتفاق الترانسفير أو (الهافارا بالعبرية) الشهير الذي نتج عنه تزويد الكيانات الصهيونية المصطنعة في فلسطين بما تحتاج إليه من معدات زراعية ومواد بناء ومتفجرات ومخصبات زراعية ألمانية ونتج عن هذا الاتفاق هجرة نحو 60.000 يهودي ألماني إلى فلسطين بترتيب صهيوني - ألماني نازي مما ساهم بشكل كبير في وضع اللبنات والقواعد الاقتصادية والبنيوية الأساسية للكيان الصهيوني، وبالتالي يستنتج الكاتب (فيبر) ووفقاً للعديد من المقارنات البيانية والإحصائية الواقعية أن ألمانيا النازية الهتلرية هي أفضل من ساهم في دعم النمو والتقدم الصهيوني الكياني في فلسطين أثناء الثلاثينيات من القرن السابق!.
(4)
لم يتوقف العبث والكيد الصهيونيان عند حد اضطهاد اليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية واللامبالاة بهم كما أسلفنا في مقالنا السابق، وإنما امتدا ليكهربا ويسمما أجواء التآخي والسلام والوئام الديني الثقافي المذهبي في البلاد العربية الإسلامية بين المسلمين ومواطنيهم اليهود والحديث هنا عن العراق في النصف الأول من القرن السابق، حيث تناول وفضح العديد من الشرفاء من اليهود الدور الصهيوني القذر والمتآزر مع قوات الاحتلال البريطانية والنظام الحاكم العميل بالعراق حينئذٍ في القيام بتسميم وشحن الأجواء بالكراهية ومعاداة اليهودية (معاداة السامية) كل حسب اختصاصه.
وقد تناول ودون هذه المكايد والاضطهادات المروعة الصحفي الأمريكي (نعيم قيلادي) وهو يهودي من أصل عراقي كان عضواً ناشطاً في أحد تلك التنظيمات الصهيونية المندسة في العراق منذ الأربعينيات بشكل خاص من أجل القيام بتهريب اليهود العراقيين إلى إيران المجاورة ليتم إرسالهم بعدئذٍ إلى أرض الميعاد (إسرائيل)، إلا أنه تم القبض عليه من قبل أجهزة المخابرات العراقية القوية التي أذاقته صنوفاً شتى من التعذيب الجسدي والنفسي المبرح والوحشي ولكنه رغم ذلك لم يعترف إيماناً بصهيونيته، حتى استطاع في وقتٍ ما الهروب من عرين الأسد البابلي نحو بر الأمان!
وقد ذكر (نعيم قيلادي) في مقالٍ له حول يهود العراق أنه اصطدم وأحس بالغضب لاحقاً حينما علم من مصادر عديدة وموثقة ومن بينها شهادات واعترافات رجال استخبارات إسرائيلية وأجنبية عمل معهم بأن الأحداث الدامية في الأربعينيات، التي استهدفت اليهود العراقيين وقتل فيها العديد من أصدقائه كانت مدبرة ومخططاً لها من قبل الحركة الصهيونية العالمية وقوات الاحتلال البريطاني بالعراق والقيادة العراقية الموالية لبريطانيا والمتمثلة في الوصي على العرش الأمير عبدالإله ورئيس وزرائه نوري السعيد، وقد استشهد (نعيم قيلادي) في مقاله بما صرح به السفير البريطاني في العراق السير فرانسيس همفري بأن اليهود العراقيين كانوا أكثر الأقليات حظوةً واحتراماً وتقلداً للمناصب الإدارية بالدولة، لذا فقد عملت الصهيونية بجد لتعكير أجواء ذلك الوئام الوطني والديني وإثارة النزاع والشقاق والكراهية بين العرب واليهود بالعراق التي لم تكن موجودة أبداً من قبل.
وقد ذكر الصحفي اليهودي قيلادي أن الوسائل الإعلامية العربية المتصهينة لعبت حينئذٍ دوراً رئيسياً وبارزاً مرسوماً له في نشر الأخبار المضللة والمركبة عن تأييد اليهود وترحيبهم بالاحتلال البريطاني للعراق بل سعيهم للتعاون معه في التآمر على العراقيين العرب مما أدى إلى إحداث أعمال شغب وتخريب طالت بعض اليهود العراقيين سرعان ما تم حلها سلمياً بتدخل القوى الشعبية الوطنية، ولكن لم يدم ذلك طويلاً فوقع العديد من التفجيرات والاعتداءات بالعراق في الأربعينيات من القرن السابق قامت بتنفيذها عناصر من وحدة "الغوركا" الخاصة في الجيش البريطاني، التي تضم مقاتلين نيباليين شرسين ذوي ولاء مطلق للإمبراطورية البريطانية، حيث استهدفت هذه التفجيرات المدبرة بشكل رئيسي اليهود العراقيين والمتمركزين بصورة واضحة في مدينة البصرة حيث تضم أكبر عدد للمواطنين اليهود بالعراق ليتم إلقاء التهم بعدها على النقمة العربية الشعبية.
وقد فضح الصحفي اليهودي (قيلادي) الدور الذي قام به الوصي عبدالإله ورئيس وزرائه نوري السعيد بمعونة الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية في الدفع قدماً نحو استهداف اليهود العراقيين بغية دفعهم للهجرة نحو أرض الميعاد مستنداً إلى شهادة السيد يوسف مائير الناشط الصهيوني بالعراق سابقاً الذي يعمل حالياً في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وقد تم إجراء العديد من المقابلات بين مسئولين صهاينة وعراقيين من أجل تحقيق هذا الهدف الصهيوني فاجتمع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون في أواخر عام 1948م بمدينة فيينا عاصمة النمسا لمناقشة الحاجة إلى إجراء تبادل شعبي يتم بمقتضاه قيام العراق بإرسال اليهود في شاحنات عسكرية من خلال الأردن إلى "إسرائيل" في مقابل قيام "إسرائيل" بطرد الفلسطينيين وإرسالهم إلى العراق على أن يتم تبادل مصادرة الممتلكات اليهودية العراقية والفلسطينية بين الطرفين إلا أن لندن اعترضت حينئذٍ بشدة على هذه الصفقة معتبرة إياها راديكالية جداً، كما قام الراحل نوري السعيد استجابة للضغوط الصهيونية بتهيئة الظروف المناسبة للقبول بوجود حالة عامة من معاداة السامية في العراق تم فيها فصل الموظفين العراقيين اليهود من مؤسسات وقطاعات الدولة المختلفة ومنع منح التراخيص التجارية بالتوريد والتصدير للتجار من اليهود العراقيين، بالإضافة إلى ممارسة الاعتقالات المتعسفة لليهود العراقيين لأسباب تافهة أو من دون سبب إلا أن محاولات الصهيونية باءت بالفشل في إقناع اليهود العراقيين بالهجرة إلى فلسطين. فأرسلت "إسرائيل" إلى العراق جاسوسها المشهور (بن بورات) الذي اتصل في أكثر من مرة بنوري السعيد من أجل منحه مكافآت وحوافز مالية "رشى" ليقوم الأخير بمقتضاها باستصدار قرارات تنزع المواطنة العراقية وحقوقها عن اليهود العراقيين رغماً عنهم!
ولم تتوقف الاضطهادات الصهيونية عند هذا الحد بحق اليهود بل إنها استمرت في الخمسينيات بشكل أكثر دموية من خلال الانفجارات التي استهدفت التجمعات الدينية لليهود العراقيين وتميزت بشكل نوعي في استهداف المراكز الثقافية الأمريكية التي يتردد عليها اليهود كثيراً، ويستدل الصحفي اليهودي (نعيم قيلادي) بما نشرته المجلة الإسرائيلية (Haolam Hazeh ) المنشورة من قبل عضو الكنيست الإسرائيلي يوري أفنيري من اتهام للجاسوس الصهيوني (بن بورات) بالوقوف وراء تلك الانفجارات الدامية بحق اليهود العراقيين لترويعهم وحثهم على مغادرة العراق والهجرة نحو فلسطين، إلا أن (بن بورات) الذي أصبح عضواً في الكنيست الإسرائيلي لاحقاً أنكر هذه الاتهامات التي ظلت تتردد محاصرة إياه إلا أنه ورغم ذلك لم يقم بمقاضاة أو حتى الشكوى من هجمة هذه المجلة عليه أبداً!
ويواصل (نعيم قيلادي) سرده المتواصل فيكتب أن الجاسوس الصهيوني (بن بورات) الذي سفك من الدماء اليهودية ما سفك حتى ثمل لا يزال يدعى بازدراء ونفور من قبل اليهود العراقيين في "إسرائيل" بكنية (مراد أبوالقنابل). وقد ظهر (بن بورات) مؤخراً على الساحة الإعلامية وأطلق تصريحات أشاد فيها بحرارة بالانتخابات العراقية ككل وقال إنها "ستكون فاتحة نحو علاقات مستقبلية بين "إسرائيل" والعراق. أنا أشجع التصويت بين صفوف اليهود العراقيين في "إسرائيل" أو في أي بقعة من العالم" (صحيفة الغد الأردنية).
ويختتم الصحفي اليهودي قيلادي مقاله بنبرة حزينة تتحسر على الضحايا الأبرياء من اليهود في العراق فيكتب أن اليهود العراقيين الجهلاء تم خداعهم والتغرير بهم من خلال رمي عقولهم الفارغة بأحاديث وقصص عن أرض الميعاد التي تدر حليباً وعسلاً وينبت فيها البصل بحجم البطيخ وما أن يطأها الأعرج حتى يركض، أما اليهود العراقيون المتعلمون والمثقفون فقط تم رميهم بالقنابل ورشهم بالأحماض الكيميائية!
وللمزيد من التحقق حول الجرائم والاضطهادات الصهيونية بالعراق والمرتكبة في حق اليهود العراقيين قمت منذ فترة بالإطلاع على دراسة قيمة للكاتب حسن عبيد عيسى كانت قد نشرت في مجلة المستقبل العربي ( العدد 307 ) تحت عنوان (عزرا نحميا والحديث عن حقوق يهودية في العراق) رمى الكاتب منها إلى فضح ومهاجمة ذلك التواطؤ الإعلامي في عراق ما بعد (التحرير) مع المطالبات الصهيونية بالحقوق والممتلكات اليهودية بالعراق، فكشف الكاتب الضوء عن خبايا الدور الصهيوني القذر في العراق تجاه استهداف اليهود العراقيين فيكتب حول هذا الاستهداف أنه تحول إلى "هجوم متكرر بالقنابل المصنعة محلياً، وهذا يلائم فكرة إلصاق تلك الأعمال بالشبان العرب المتحمسين ضد الصهيونية" وأضاف أنه "أخذت أعمال الإرهاب الصهيونية طابعاً أكثر حدةً وتنظيماً. ففي الرابع عشر من أغسطس 1938م ألقيت قنبلة على نادي لورا خضوري جرحت اثنين وأخرى على نادي الرشيد اليهودي لم تنفجر، إلا أنها أحدثت ذعراً ورعباً بين الآمنين اليهود يوازيان حجم انفجارها. وفي الخامس عشر من أكتوبر 1938م كرر الإرهابيون استهداف نادي لورا خضوري فجرحت قنبلتهم ثلاثة أشخاص. ولم تحدث القنبلة التي ألقيت على أحد المعابد خسائر في تلك الليلة، كتلك التي فجرت في اليوم نفسه على أرض ساحة تطل عليها بيوت لليهود" ويواصل الكاتب فضح السادية الصهيونية التي لم تتردد أبداً في التنكيل باليهود العراقيين من أجل ترويعهم وبالتالي إجبارهم على الهجرة إلى أرض الميعاد فيذكر أن "الأسلوب السادي الآخر الذي اتبعه الصهاينة ضد اليهود الآمنين هو رش المستهدفين بالمواد الكيميائية - الحوامض. ولما كان أغلب اليهود على علم واطلاع تام على حقيقة ما يجري وهوية الجهات الفاعلة، فإنهم لم يكونوا راغبين في الهجرة إلى فلسطين استجابة لطلبات هؤلاء القتلة الساديين، الأمر الذي دعا بعضهم إلى اختيار أماكن أخرى للاستقرار فيها بعيداً عن مسلسل الإرهاب ذاك.
لقد أخذ بعض أثرياء اليهود يهربون أموالهم إلى أمريكا وليس إلى فلسطين!".
ومما لا شك فيه فإني أرى أن ذاك الخلط الشائع الذي أصاب الجميع، والذي بات أحياناً وللأسف حالة معولمة ذات نطاق عالمي قد أسهم بشكل فارق وكبير في تشويه وتحريف العديد من المفاهيم والرؤى والمواقف حيال العلاقة بين الصهيونية كأيديولوجية قومية وعنصرية واستعمارية غربية فكراً بامتياز وتستند على فكرة إقامة وطن قومي لليهود في الأرض الموعودة (فلسطين) من جهة وبين اليهودية كديانة سماوية رحبة في نصوصها وشروحاتها وأركانها المتعددة من جهة أخرى. وقد كان أبرز من دعا إلى ضرورة التفريق ما بين اليهودية والصهيونية من أجل قيادة المعركة المصيرية في الاتجاه الصحيح هو المثقف الموسوعي والخبير الأبرز في شئون اليهود واليهودية والصهيونية في العالم العربي ألا وهو الدكتور عبدالوهاب المسيري الذي أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته ذات المحتوى الفكري والمعرفي العميق حول الشأن اليهودي والصهيوني والتفريق بينهما باعتبار أن الصهيونية تقوم بتدبيج مقاصدها وأهدافها الاستعمارية بشعارات ومصطلحات ومفاهيم دينية توراتية/ تلمودية متعددة بهدف إيهام أكبر عدد ممكن من الناس سواء أكانوا يهوداً فيعتنقونها أم أغياراً فيعتبرونها هي واليهودية وجهان لعملة واحدة بصورة تحمل كثيراً من الحيف والظلم المبني على أسس غير سليمة والجاهل لوجود آيات كثيرة في بطون المجلدات والكتب اليهودية المقدسة المتنافية بحدية وشدة مع الأهداف الصهيونية الأولية.
وحتى ندلل على مثل هذا التنافي والاصطدام بين الديانة اليهودية والأيديولوجيا الصهيونية لا بد لنا من أن نستشهد بالمقولة الشهيرة والتي تمثل جوهرة روح الصهيونية لأحد أبرز القادة الصهيونيين وهو ديفيد بن غوريون، والذي يعد أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني وهو الذي قام بتلاوة بيان إعلان قيام دولة "إسرائيل" على الأرض الفلسطينية المغتصبة ، حيث يقول بن غوريون بمنتهى الصراحة وذلك أثناء اجتماع للعمال الصهاينة في بريطانيا العظمى في عام 1938م «لو كنت أعلم بأنه سيكون من الممكن إنقاذ جميع الأطفال (اليهود) في ألمانيا من خلال إحضارهم إلى بريطانيا، أو بالإمكان فقط إنقاذ نصف هؤلاء الأطفال (اليهود) من خلال نقلهم إلى أرض "إسرائيل"، فسأختار على الفور الخيار الثاني»، كما يمكننا أن نستشهد بتصريح السيد إسحاق غرينباوم رئيس هيئة الإنقاذ بالوكالة اليهودية مخاطباً المجلس الصهيوني التنفيذي بتاريخ 18 فبراير 1943م «إذا سئلت هل بإمكانك تقديم الأموال من الوكالة اليهودية المتحدة لإنقاذ اليهود؟ سأقول «لا، وسأقول للمرة الثانية لا»، كما أنه أعلن صراحة وفي مناسبة أخرى بأنه وانطلاقاً من صهيونيته الاستعمارية المتقرحة فإنه يرى بأن «بقرة واحدة في فلسطين تساوي أكثر من جميع اليهود في بولندا»!!!
فهل يمكننا أن نمازج بين الصهيونية واليهودية بعدئذٍ، حيث تفضل الأولى (الصهيونية) البقرة الفلسطينية على اليهود البولنديين جميعاً، في حين من المفترض أن ترفع الثانية (اليهودية) من شأن اليهود من دون غيرهم من البشر الأغيار (الغويم) باعتبارهم مؤمنين موحدين وأصحاب رسالة نورانية طاهرة لهداية البشرية؟!! هل يستوي الارتفاع باليهودي مع الانحدار به؟!!
وللأسف فإنه بالإضافة إلى التعميم والدمج بين اليهودية والصهيونية يوجد هناك خطاب آخر يتم تسويقه من قبل البعض عن عمد كالمتلبرلين العربان/ الغربان الجدد حيث يدعو بعضهم إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني المسمى "إسرائيل" كسبيل لإيجاد علاقة حضارية مشرقة بين اليهودية والإسلام لتحويل الشرق الأوسط إلى جنة عدن بالعقلية اليهودية والمال والعمال العرب وهي دعوة قديمة متعفنة مهملة في أضابير وسجلات الداعين إلى التطبيع ((المدفوع الأجر)) مع الكيان الصهيوني .
كما ويدعو آخرون بسذاجة سياسية/ تاريخية ومن دون أدنى وعي إلى إقامة السلام مع الكيان الصهيوني وعقد الاتفاقيات المعسولة/ المغسولة وتطبيع شتى أنواع العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني حتى يعود الرخاء والسلام على الجميع مستحضرين في دعواتهم (المعابة عليه) أبعاداً ونفحات تاريخية إسلامية تتمحور وتتموضع في سياق الحديث عن صلح خيبر بين اليهود والمسلمين في المدينة على زمن حبيبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)!!!! هل هناك سذاجة وخلط وتعميم أكثر من ذلك؟!! يجب لأمثال هؤلاء التعمق في فهم الظاهرة الصهيونية وعلاقتها باليهودية واستلهام مناهج القراءة الموضوعية والعلمية للتاريخ والتعاطي بحيادية مع الشأن السياسي قبل أن يصدروا أحكامهم الشاذة والواهية والمبنية على وهن التبرير أكثر من كونها مبنية على قاعدة صلبة لاجتهاد علمي ومعرفي يليق بالفقهاء والشيوخ والمثقفين والمفكرين وغيرهم، مثلما يليق بمسئولياتهم الكبرى بحق الأمة والدين، عسى أن يخرجوا بأن من يقوم بدعم المخططات والمشاريع الصهيونية الإمبريالية من خلال الدعوة إلى تفعيل وإيجاد آليات التطبيق لأجندة التطبيع مع الكيان الصهيوني هو في الوقت نفسه لا يقوم بدهس أشلاء ودماء الفلسطينيين وقبور شهداء الأمة العربية والإسلامية فقط ، وإنما هو يسهم في امتهان حرمة الدماء اليهودية الطاهرة للأبرياء والمدنيين، والتي تفردت الأجهزة الصهيونية بسفكها أكثر من غيرها وبشكل استغلالي لم يشهد له مثيل في البشاعة، حيث يتحدث الكاتب اليهودي جيرشوم جورنبرج في كتابه الجديد «الأيام النهائية» عن الاستغلال الصهيوني الذي مارسته وتمارسه العديد من الأطراف المتصهينة والمتمصلحة بحق اليهود فيكتب «المسيحيون الصهاينة لا يحبوننا نحن اليهود حباً حقيقياً، وإنما يحبوننا كأشخاص يقومون بأدوارهم في روايتهم، وتستكمل بهم الحبكة الدرامية ومقومات الموضوع الذي يروجون له ويؤمنون به»، وبالإضافة إلى هذا الاعتراف الصريح المنشور مؤخراً تناول موضوع الاستغلال والاضطهاد التدميري الذي قامت به الصهيونية في حق اليهود واليهودية العديد من الحاخامات والمفكرين والمثقفين اليهود المناهضين لتسلط الجلاد الصهيوني، ولعل من أبرزهم الحاخام (Elchonon Wasserman) الذي كتب بمرارة في عام 1938م بأنه «يجب اعتبار الصهاينة بأنهم المضطهدين الرئيسيين للشعب اليهودي، حيث إنه من المحرم أن يتم اللجوء إلى استخدام تلك الأساليب والطرق التي يزاولها الصهاينة!! »، كما أنه كتب في مناسبة أخرى ومن خلال إحدى تأملاته في التوراة بأنه «من المعروف أن الشعب اليهودي عانى دوماً من شيئين وهما: الغرباء على اليهود والأقرباء من اليهود، وهؤلاء الأخيرون (الأقرباء من اليهود ويعني بهم في هذا الصدد الصهاينة من داخل الديانة اليهودية) ساهموا في غرس وتجديد المعاناة اليهودية من خلال التشبث بمخلصيهم المنتظرين المزيفين والذين تم من خلال الإيمان بهم الزعم بتحقق وعد العودة إلى الأرض المقدسة، وستكون ذروة ونهاية ما سينجزونه (الصهاينة) هي في قيام آلاف اليهود بالتخلي عن اليهودية!! ».
وهذا الاستغلال الصهيوني لليهودية، والذي أصبح في أحد المراحل التاريخية ولا يزل اضطهاداً بحق اليهود واليهودية سنتكفل بتناوله في مقالاتنا الأخرى من باب الحديث عن دور الأجهزة الصهيونية في ترسيخ ذلك الاضطهاد والاستهداف لليهود وممارسته بغية تحقيق أهداف أيديولوجية استعمارية أصيلة، بالإضافة إلى أننا سنقوم بتسليط الضوء بصورة أكثر على العلاقة الوثيقة، والتي كانت تربط بين الحركة الصهيونية والنظام النازي في ألمانيا.
(2)
لجأت الصهيونية ولا تزال تلجأ بشكل أساسي إلى التركيز على استثمار ما يسمي ظاهرة معاداة السامية على أحسن وجه، وذلك من خلال تبني الأساليب والمناهج كافة حتى إن كانت قذرة ودموية ليتم فيها تصفية ولو ضحايا يهود أبرياء في سبيل دفع المشاعر والاعتقادات والاعتبارات لدى الفئات والطوائف اليهودية قدماً للاعتقاد والجزم بوجود واقع معاداة السامية أو بالأحرى معاداة اليهود، مما يسهم في تيسير تحقيق أهداف القادة والمخططين الصهاينة على أحسن وجه والمتمثلة في تكريس الروح الانفصالية والانعزالية اليهودية «الجيتوية» وبالتالي يتم قطع الانتماء مع المجتمع المحلي - الخارجي الذي يعيش فيه اليهودي باعتباره مواطناً مع غيره من المواطنين المتعددي الأعراق والثقافات والاعتقادات، وبالتالي يؤدي إلى تحقيق الهدف والغاية الكبريين المتمثلين في حفز حركة الهجرة اليهودية لشتى الطوائف والفئات اليهودية من مجتمعاتها الأصلية إلى أرض الميعاد المقدسة (فلسطين).
وفي مثل هذا السياق نجد أن ذلك الهيام والعشق والتغزل الصهيوني الغريب بظاهرة معاداة السامية يتخذ شكلاً أكثر صراحة وجرأة فيما استفاض في تدوينه الكاتب اليهودي النمساوي «ثيودور هرتزل» الذي يعد أحد أبرز المؤسسين للصهيونية في حلتها الجديدة، وذلك في يومياته التي تتضمن نصوصاً قطعية مثل «معاداة السامية التي تعد القوة الخفية الكامنة في عمق العقل اللاواعي للحشود، لن تسهم في التسبب في الأذى لليهود. وإني بنفسي أجدها مفيدة ومواتية لبناء الشخصية والتعليم اليهوديين من خلال الحشود الشعبية الأجنبية التي ستقوم باستيعابنا وامتصاصنا. هذا التعليم لا يمكن أن تقوم له قائمة دون المعاناة، واليهود سيتكيفون مع ذلك»، بالإضافة إلى اعترافه وبهجته الغامرة بتفشي مظاهر العداء للسامية ليكتب بانتشاء وجذل في يومياته «من الأساسي والجوهري أن تصبح معاناة اليهود أسوأ حالاً.. هذا سيساعد في تحقيق مخططاتنا.. لدي فكرة ممتازة.. سأقوم باستمالة واستحاثة معاداة السامية حتى تتحول الثروة والموجودات اليهودية إلى نقود.. إن معاداة السامية ستسهم في مساعدتنا فيما يتصل بذلك من خلال تقوية الاضطهادات والمضايقات بحق اليهود. إن المعادين للسامية سيكونون من أعز أصدقائنا». لذا فكان من المتوقع ألا تمانع أو تتردد الصهيونية في إحدى مراحل جنونها الاستعماري المقيت في أن تستهدف وتصفي جسدياً اليهود أنفسهم بمنتهى القذارة أو حتى تتخلى عنهم ولا تبالي بمآسيهم إكراماً للعيون الآسرة لمعاداة السامية، التي لابد لها أن تستمر وتتسمر في أرضية وبنية المجتمع الخارجي الأجنبي حتى يستمر ويتسمر الكيان الصهيوني في أرضية فلسطين الذي لا يتغذى ويسترد عافيته وتوازنه إلا من خلال امتصاص «جلوكوز» الهجرة اليهودية نحو أرض الميعاد!
ولعل أحد تلك التجليات النادرة والمهملة من الإعلام المحلي والدولي على حد سواء، التي نرى فيها انتهازية صهيونية واضطهاداً وتواطؤاً ولامبالاة بدماء وأرواح اليهود في سبيل تحقيق أهداف أيديولوجية هو فيما دَونه البطل اليهودي الشعبي أثناء الحرب العالمية الثانية الحاخام «ميخائيل وايزماندل» في كتابه التاريخي الهام لأعوام الحرب العالمية الثانية من عام 1942م إلى عام 1945م، الذي سماه «من الأعماق»، حيث يروي فيه بأسلوبٍ مؤثرٍ عمليات الترحيل والإخضاع للقيام بالأعمال الشاقة والخدمة والاستعباد وممارسة الإبادة الجماعية الوحشية، التي تعرض لها اليهود القاطنون في سلوفاكيا من قبل الأجهزة العسكرية النازية والحكومة الدمية الموالية لها، حيث جاهد الحاخام «وايزماندل» واضطر إلى مواجهة العديد من التحديات والمخاطر واللجوء إلى ممارسة الأساليب الشرعية وغير الشرعية كافة في سبيل إنقاذ أرواح عشرات الآلاف من اليهود من الإبادة انطلاقاً من إحساسه بالمسئولية الإنسانية والدينية، واستجابة للآلام والجراح والطعنات العديدة التي فطرت قلبه على مرأى تلك الدماء المسفوكة والإنسانية المغتصبة والأرواح الفائضة من دون أدنى سبب سوى احتراق وقود الكراهية العمياء المحرك للعجلات النارية للتطرف والتمييز العرقيين والدينيين، إلى أن توصل في الأخير ومن خلال اتصالات دبلوماسية رسمية وما وراء رسمية من أعلى المستويات حتى أدناها وذلك مع الحاخامات والمجالس الدينية اليهودية من جهة والقيادات النازية من جهة أخرى، توصل إلى مخرج صغير ولكنه يبدو أنه سيسهم في إنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح اليهودية المرعوبة من أن تفاض، حيث تم عقد صفقة ذهبية ونادرة كادت أن تفقد الحاخام عقله فرحاً وبهجةً واطمئناناً - كما كتب - حيث يقوم بمقتضاها الحاخام «وايزماندل» بدفع مبلغ بسيط من المال هو 50.000 دولار أمريكي على شكل دفعتين هما 25.000 دولار أمريكي و25.000 في سبيل وقف عمليات الترحيل الجماعي لليهود ومصادرة ممتلكاتهم، بالإضافة إلى وقف وتعطيل عمليات الاعتقال والإبادة الجماعية بحق اليهود، بشرط ألا يكون مصدر تلك الأموال سلوفاكياً (محلياً)! لذا فإنه من أجل تأمين هذا المبلغ البسيط لحماية أرواح يهودية غالية أجرى الحاخام «وايزماندل» مع الوكالات اليهودية الخارجية والمرتبطة بالقيادات الصهيونية اتصالات عديدة ومتنوعة على أمل أن تتكلل بتأمين المبلغ المطلوب لإنقاذ آلاف الأرواح وعصم آلاف الرقاب والدماء اليهودية من السفك والاستباحة، إلا أن الحاخام «وايزماندل» قد خاب رجاؤه أخيراً، وأحس بغصةٍ أليمةٍ كادت أن تودي بحياته خيبةً وحيرةً وقهراً، ووصف شعوره بأنه أحس حينئذٍ وكأنما بيته انهار بالكامل عليه حينما رمت الوكالات والمؤسسات اليهودية الصهيونية العالمية برجائه في وجهه علناً، ولم تبال أو حتى تكترث بتأمين هذا المبلغ في سبيل حماية الأرواح اليهودية مما يخالف أهدافها «المثالية» التي أنشئت لأجلها! بل إنها وبعد مزيد من التوسل والتذلل من قبل الحاخام «وايزماندل» لها لتوفير هذا المبلغ البسيط بالمقارنة مع موجودات وأصول وميزانية هذه المؤسسات والوكالات اليهودية الصهيونية العالمية تذرعت من خلال خطاب كتابي أرسل من السيد سالي مائير كتب فيه إن مبلغ 50.000 دولار أمريكي هو مبلغ كبير جداً بالنسبة إلى بلد صغير جداً! وتم بعدها الاشتراط بضرورة تبيان الأسباب الواقعية لطلب مبلغ كبير جداً مثل هذا المبلغ وفي هذا الوقت بالذات، وضرورة توفير البراهين والوثائق الدامغة بخصوص حدوث عمليات إبادة بحق اليهود، حيث إن معظم القصص حول عمليات الترحيل والإبادات الجماعية هي مبالغ ومغالى بها (هذه الرواية الصهيونية في تلك الفترة!)، وبعدها تم إغلاق أبواب خزانة مؤسسات الإنقاذ الصهيونية العتيدة لتفتح أبواب خزائن العالم الآخر فتفاض نحوها عشرات الآلاف من الأرواح اليهودية!
وربما جاء بعدها تفسير بليغ لطبيعة هذا السلوك الصهيوني الطبيعي جداً ممثلاً في المقولة الشهيرة للعراب والمفكر الصهيوني الشهير زئيف جابوتنسكي حينما كتب: «لا توجد هناك عدالة أبداً، لا يوجد هناك قانون، كما أنه لا يوجد هناك رب في الفردوس الأعلى، وإنما يوجد فقط قانون أوحد يقرر أنه يجب أن يكون هنالك استقرار ورسوخ يهوديان في أرض فلسطين! » أو ربما نجد تفسيراً جذرياً لدى المستر حاييم وايزمان أحد كبار العرابين الصهاينة لدواعي هذا السلوك الصهيوني الواقعي بامتياز، حيث يجهر مستر وايزمان بخوفه ورهبته في الكونجرس الصهيوني إبان الحكم النازي الهتلري لألمانيا فيقول: «أنا خائف من أننا اليوم بصدد استبدال مفهوم إنقاذ اليهود بمفهوم التحرر لأن الصهيونية هي حياة دائمة، في حين أن عملية إنقاذ أرواح آلاف اليهود لا يمكن اعتبارها إلا مجرد حياة مؤقتة بجوار الصهيونية ولا يمكن أن ترقى إليها أبداً!».
إذاً هذا يعطي الضوء الأخضر «الفلاش» بأن تسفك دماء آلاف اليهود وليبادوا عن بكرة أبيهم إكراماً وإجلالاً وإحرازاً لرموش وعيون الحياة الصهيونية الأزلية، ولا مانع من التخلي عن بضعة آلاف من شعب الله المختار مثلما يتخلى عن القطعان الموبوءة في سبيل تحقيق الأحلام الصهيونية العمياء الدامية! ومما لا شك فيه يمكننا أن نتفهم حينئذٍ سخط ونقمة أحد أبرز الحاخامات اليهود وهو الحاخام «أفراهام يوشي» حينما يهاجم بعنف الصهاينة والصهيونية المجرمين بحق اليهود واليهودية فيقول: «ليسوا لأنهم صهاينة فهم بالتالي أشرار، وإنما لأنهم أشرار فهم بالتالي صهاينة!».
(3)
رغم توافر المادة العلمية الثرية والمتكاملة الجيدة حول العلاقات التاريخية الوثيقة بين الحركة الصهيونية العالمية الحديثة والنظام الألماني النازي، ولا نعني هنا علاقات تشابه تنشأ عن مقارنة فكرية ومنهجية بين الصهيونية والنازية وإنما نحن هنا بصدد الحديث عن علاقات اتصالية وظيفية وتنسيقية مباشرة ازدهرت في مرحلة تاريخية محددة بذاتها بين الطرفين.
رغم وجود الوثائق والبيانات والحقائق والشهادات التاريخية التي تبرهن على كثافة تلك العلاقات والاتصالات بين القادة النازيين والقادة الصهاينة فإننا للأسف كعرب ومسلمين وإنسانيين عالميين فشلنا للأسف في استغلال هذه الورقة الرابحة لصالحنا من خلال استخدامها في فضح الجلاد الصهيوني الذي لا يكل أو يمل تارةً من جلد من يقف في طريق مصالحه الجشعة بتهمة معاداة السامية، كما أننا فشلنا في إحراج الصهيونية التي أخذت تبتز الجميع بالتهمة ذاتها، فشلنا في إحراج المبتز الأعظم أو بكلمات أخرى فشلنا في ابتزازه رغم سهولة هذا الأمر من خلال عرض وتناول طبيعة تلك العلاقات الوظيفية التنسيقية بين الصهيونية والنازية والمتمثلة في اضطهاد اليهود والمساهمة في ترويعهم وتخويفهم وتكريس واقع انفصالهم العضوي والوظيفي عن المجتمع الألماني بل الأوروبي الذين عاشوا فيه وأسهموا في المشاركة في بنائه ووضع لبنات تقدمه الاجتماعي وتحولاته المختلفة، وذلك من خلال السعي إلى إحياء الوعي لحقيقة وجود واقع فعلي معادٍ للسامية ولليهود بشكل خاص في هذه المجتمعات لا يمكن التعاطي معه بإيجابية ومعالجته بشكل فعال إلا من خلال دعم الهجرات اليهودية المتعاقبة والمتكاثفة إلى أرض الميعاد (فلسطين) والمساهمة في تيسير جميع السبل من أمامها.
وقد اطلعت منذ فترة ليست بالقصيرة على عددٍ من الدراسات التاريخية والتفصيلية حول واقع العلاقات الصهيونية - النازية في عقد الثلاثينيات حتى الأربعينيات من القرن السابق إلا أنني لم أحقق لنفسي إشباعاً معرفياً عسيراً في هذا الموضوع رغم ما يحويه من ثغرات جوع أو بالأحرى اكتفاءً معرفياً ذاتياً يستحال تحققه نظراً لطبيعة المعرفة النسبية الاستمرارية وغير القابلة للاكتمال مع استمرارية جريان غدير الزمان، ولكن لعل أفضل ما اطلعت عليه من ناحية المصداقية والتوثيق والشمولية هو مقال (الصهيونية والرايخ الثالث) الذي كتبه الباحث (مارك فيبر) من مؤسسة الدراسة والمراجعة التاريخية حيث استعرض فيه مرحلة مهمة ومتميزة من تلك العلاقات الوظيفية التنسيقية والمتميزة التي كانت تربط بين القادة الصهاينة والقادة النازيين في ألمانيا وملحقاتها المحتلة، حيث يذكر الكاتب أنه أثناء الثلاثينيات كان الصهاينة اليهود والألمان المنتسبون للحزب الاشتراكي القومي الألماني (النازي) يتشاطرون رؤية موحدة حول كيفية التعامل مع ملف القضية اليهودية المعقدة، إذ يلتقي الطرفان في الإيمان بأن الألمان واليهود ينتميان إلى قوميتين مختلفتين مما يعني أن اليهود لا ينتمون إلى ألمانيا ولا يمكن أن ينتموا إليها أبداً وهم بذلك يشكلون أعضاءً في مجتمع قومي منفصل.
كما أن الكاتب فيبر يستعرض في مقاله محتوى المذكرة التفصيلية التي قدمها الاتحاد الصهيوني الألماني إلى الحكومة النازية الهتلرية الجديدة، والتي نصت على ضرورة أن يكون هنالك تعاون وعلاقات وظيفية تنسيقية فعالة بين الحركة الصهيونية العالمية والحكومة النازية على مستوى رسمي من الدرجة الأولى من أجل حل القضية اليهودية بما يوائم بين مصالح الجانبين، كما بين الكاتب فيبر أن هذه المذكرة الموثقة قد احتوت على عددٍ من الخطوات كان أولها يقترح ضرورة الاعتراف الأساسي والمتبادل بالاختلافات القومية الجذرية بين اليهود والألمان، كما احتوت هذه المذكرة على توضيح للرؤية الصهيونية حول إعادة إحياء الحياة القومية للشعب كما هو حاصل في ألمانيا التي يتم فيها تأكيد الجذور الجرمانية العرقية والقومية والهوية الدينية المسيحية، حيث لابد من أن يقود إلى إدراك التمييز الصريح بين الألمان واليهود الذين لهم أصلهم القومي المختلف والفريد المنفصل عن الألمان، وبالإضافة إلى ذلك فقد جاء نصاً في المذكرة «نحن نؤمن بأن الاشتراكيين القوميين الألمان (النازيين) يمكنهم ومن خلال عزمهم الواضح على التناول للمسألة اليهودية أن يقوموا باتخاذ خطوات حاسمة من أجل حل هذه القضية» وذكر معدو هذه المذكرة التفصيلية أنهم وبمقتضى اعترافهم بتميز وانفصال القومية اليهودية فإنهم يعترفون أيضاً بالاختلافات الحاسمة والمصيرية للشعب الألماني المنطلقة من العرقية والقومية الألمانية والمختلفة.
وقد حرص الصهاينة الذين أعدوا تلك المذكرة على تبيان أوجه التقاء الآراء والرؤى مع نظرائهم النازيين من خلال محاربتهم لفكرة الزواج المختلط وحرصهم على النقاء العرقي ورفضهم الصارم لأي تعد أو انتهاك أو عبث في الملكية الثقافية. وبين الكاتب فيبر في مقاله أن الصهيونية من دون شك كانت تعمل وتحرص كل الحرص على وجود حكومة معادية بشكل جذري لليهود في ألمانيا حتى تتمكن من إنجاح مشروعها، وقد أثبت الصهاينة جدارتهم وكفاءتهم المهنية العالية في ذلك أيما إثبات حيث أثمرت جهودهم المتفانية دعماً لا نظير له من قبل الحكومة الهتلرية للصهيونية والهجرة اليهودية لفلسطين من عام 1933م حتى بداية الأربعينيات مع اشتداد الحرب العالمية الثانية حيث انشغلت السلطات النازية عن جهود التعاون المشترك مع الصهيونية لتتفرغ لمواجهة الحلفاء.
وحين تناول تشريح أكثر الأجهزة حماسة وفاعلية ضمن السلطة النازية للتعاون التنسيقي مع الصهيونية لا بد لنا من إنصاف الجهود الكريمة لمنظمة الأمن الوقائي النازي (SS) التي قدمت ورقة عمل بتاريخ 1934م حيث تطالب بإلحاح الحكومة النازية والحزب النازي على حدٍ سواء بأن يقدما دعماً كبيراً وفعالاً للحركة الصهيونية العالمية من خلال تقديم الدعم المادي وكافة أشكال الدعم للهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد (فلسطين) عبر السعي إلى تشجيع الوعي القومي اليهودي الذاتي وإقامة المدارس اليهودية المستقلة والاتحادات اليهودية الرياضية والمنظمات اليهودية الثقافية بألمانيا النازية ومستعمراتها.
وقد قام بالفعل مسئول منظمة الأمن الوقائي النازي ليوبولد فان مايلدنشتاين والقائد الصهيوني كورت تاتشلر بزيارة استغرقت ستة أشهر لأرض الميعاد للإطلاع على مدى التقدم الصهيوني بفلسطين، كما أنه تم نشر هذه الزيارة بإحدى الصحف الرسمية الألمانية وهي (Berlin daily Der Angriff ) في سنة 1934م تحت عنوان زيارات نازية لفلسطين، كما قامت هذه الصحيفة بنشر صورة لميدالية خاصة تضم في إحدى جوانبها الصليب النازي المعقوف وفي الجانب الآخر نجمة داود السداسية بغية تأكيد التضامن والتحالف الوثيق بين الصهيونية والنازية، أما الصحيفة الرسمية لمنظمة الأمن الوقائي النازي فقد أظهرت مدى تضامنها اللامحدود مع الحركة الصهيونية من خلال ما نشرته وبـ «البنط» العريض في شهر مايو عام 1935م أنه «لا يبدو الوقت بعيداً جداً حينما ستقوم فلسطين أخيراً باحتضان أبنائها الذين افتقدتهم منذ آلاف السنين والذين يسرنا أن نقدم لهم تمنياتنا الصادقة ومشاعر الود والرضا والارتياح لترافقهم في رحلتهم إلى وطنهم»! كما صرح رئيس الاتحاد الصهيوني السابق بألمانيا الدكتور (هانز فريدنتثال) بأن الغستابو (جهاز الاستخبارات النازية) قدم كل ما باستطاعته لنا من أجل تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على وجه التحديد، كما أنهم لم يترددوا أبداً عن تلبية مطالبنا في هذا الأمر.
وقد جاء إصدار قانون نورمبرغ في سبتمبر عام 1935م ليتوج تلك الجهود المتبادلة، حيث نص هذا القانون على منع الزواج المختلط بين الألمان واليهود واعتبار اليهود أقلية قومية دخيلة وغريبة عن المجتمع الألماني وقد قوبل هذا القانون بترحيب شديد وحار من المنظمات الصهيونية الألمانية. وفي إحدى المسيرات اليهودية الصهيونية بمدينة نيويورك صرح ستيفن وايز رئيس الكونجرس اليهودي الأمريكي في يونيو عام 1938م «أنا لست مواطناً أمريكياً بإيمان يهودي، وإنما أنا يهودي. هتلر كان محقاً في أمر واحد هو تصنيفه لليهود بأنهم عرق ونحن عرق».
وللإشارة إلى نموذج مجسم للتنسيق النازي - اليهودي فإننا ينبغي أن نشير إلى تلك المخيمات التي أنشئت بإذن من السلطات الألمانية النازية، والتي بلغ عددها حوالي أربعين مخيماً ومراكز زراعية في شتى ربوع ألمانيا حيث يتم فيها تدريب المستوطنين الصهاينة اليهود المستقبليين على التأقلم مع حياتهم الجديدة في فلسطين، وانطلاقاً من الاحترام العميق والتوقير الأجل الذي يكنه الصهاينة لقانون نورمبرغ (السالف الذكر) الذي يحرم على اليهود أن يرفعوا الأعلام الألمانية فقد منحت السلطات الألمانية النازية لليهود حق رفع العلم القومي الوطني اليهودي (علم "إسرائيل" حالياً) فيكتب (فيبر) مستغرباً «علم "إسرائيل" كان يرفرف على المراكز والمخيمات الصهيونية في شتى أنحاء ألمانيا الهتلرية» . ولعل أبهى صور التكامل والتطور للعلاقات النازية والصهيونية الوظيفية التنسيقية هي تلك المتمثلة في اتفاق الترانسفير أو (الهافارا بالعبرية) الشهير الذي نتج عنه تزويد الكيانات الصهيونية المصطنعة في فلسطين بما تحتاج إليه من معدات زراعية ومواد بناء ومتفجرات ومخصبات زراعية ألمانية ونتج عن هذا الاتفاق هجرة نحو 60.000 يهودي ألماني إلى فلسطين بترتيب صهيوني - ألماني نازي مما ساهم بشكل كبير في وضع اللبنات والقواعد الاقتصادية والبنيوية الأساسية للكيان الصهيوني، وبالتالي يستنتج الكاتب (فيبر) ووفقاً للعديد من المقارنات البيانية والإحصائية الواقعية أن ألمانيا النازية الهتلرية هي أفضل من ساهم في دعم النمو والتقدم الصهيوني الكياني في فلسطين أثناء الثلاثينيات من القرن السابق!.
(4)
لم يتوقف العبث والكيد الصهيونيان عند حد اضطهاد اليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية واللامبالاة بهم كما أسلفنا في مقالنا السابق، وإنما امتدا ليكهربا ويسمما أجواء التآخي والسلام والوئام الديني الثقافي المذهبي في البلاد العربية الإسلامية بين المسلمين ومواطنيهم اليهود والحديث هنا عن العراق في النصف الأول من القرن السابق، حيث تناول وفضح العديد من الشرفاء من اليهود الدور الصهيوني القذر والمتآزر مع قوات الاحتلال البريطانية والنظام الحاكم العميل بالعراق حينئذٍ في القيام بتسميم وشحن الأجواء بالكراهية ومعاداة اليهودية (معاداة السامية) كل حسب اختصاصه.
وقد تناول ودون هذه المكايد والاضطهادات المروعة الصحفي الأمريكي (نعيم قيلادي) وهو يهودي من أصل عراقي كان عضواً ناشطاً في أحد تلك التنظيمات الصهيونية المندسة في العراق منذ الأربعينيات بشكل خاص من أجل القيام بتهريب اليهود العراقيين إلى إيران المجاورة ليتم إرسالهم بعدئذٍ إلى أرض الميعاد (إسرائيل)، إلا أنه تم القبض عليه من قبل أجهزة المخابرات العراقية القوية التي أذاقته صنوفاً شتى من التعذيب الجسدي والنفسي المبرح والوحشي ولكنه رغم ذلك لم يعترف إيماناً بصهيونيته، حتى استطاع في وقتٍ ما الهروب من عرين الأسد البابلي نحو بر الأمان!
وقد ذكر (نعيم قيلادي) في مقالٍ له حول يهود العراق أنه اصطدم وأحس بالغضب لاحقاً حينما علم من مصادر عديدة وموثقة ومن بينها شهادات واعترافات رجال استخبارات إسرائيلية وأجنبية عمل معهم بأن الأحداث الدامية في الأربعينيات، التي استهدفت اليهود العراقيين وقتل فيها العديد من أصدقائه كانت مدبرة ومخططاً لها من قبل الحركة الصهيونية العالمية وقوات الاحتلال البريطاني بالعراق والقيادة العراقية الموالية لبريطانيا والمتمثلة في الوصي على العرش الأمير عبدالإله ورئيس وزرائه نوري السعيد، وقد استشهد (نعيم قيلادي) في مقاله بما صرح به السفير البريطاني في العراق السير فرانسيس همفري بأن اليهود العراقيين كانوا أكثر الأقليات حظوةً واحتراماً وتقلداً للمناصب الإدارية بالدولة، لذا فقد عملت الصهيونية بجد لتعكير أجواء ذلك الوئام الوطني والديني وإثارة النزاع والشقاق والكراهية بين العرب واليهود بالعراق التي لم تكن موجودة أبداً من قبل.
وقد ذكر الصحفي اليهودي قيلادي أن الوسائل الإعلامية العربية المتصهينة لعبت حينئذٍ دوراً رئيسياً وبارزاً مرسوماً له في نشر الأخبار المضللة والمركبة عن تأييد اليهود وترحيبهم بالاحتلال البريطاني للعراق بل سعيهم للتعاون معه في التآمر على العراقيين العرب مما أدى إلى إحداث أعمال شغب وتخريب طالت بعض اليهود العراقيين سرعان ما تم حلها سلمياً بتدخل القوى الشعبية الوطنية، ولكن لم يدم ذلك طويلاً فوقع العديد من التفجيرات والاعتداءات بالعراق في الأربعينيات من القرن السابق قامت بتنفيذها عناصر من وحدة "الغوركا" الخاصة في الجيش البريطاني، التي تضم مقاتلين نيباليين شرسين ذوي ولاء مطلق للإمبراطورية البريطانية، حيث استهدفت هذه التفجيرات المدبرة بشكل رئيسي اليهود العراقيين والمتمركزين بصورة واضحة في مدينة البصرة حيث تضم أكبر عدد للمواطنين اليهود بالعراق ليتم إلقاء التهم بعدها على النقمة العربية الشعبية.
وقد فضح الصحفي اليهودي (قيلادي) الدور الذي قام به الوصي عبدالإله ورئيس وزرائه نوري السعيد بمعونة الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية في الدفع قدماً نحو استهداف اليهود العراقيين بغية دفعهم للهجرة نحو أرض الميعاد مستنداً إلى شهادة السيد يوسف مائير الناشط الصهيوني بالعراق سابقاً الذي يعمل حالياً في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وقد تم إجراء العديد من المقابلات بين مسئولين صهاينة وعراقيين من أجل تحقيق هذا الهدف الصهيوني فاجتمع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون في أواخر عام 1948م بمدينة فيينا عاصمة النمسا لمناقشة الحاجة إلى إجراء تبادل شعبي يتم بمقتضاه قيام العراق بإرسال اليهود في شاحنات عسكرية من خلال الأردن إلى "إسرائيل" في مقابل قيام "إسرائيل" بطرد الفلسطينيين وإرسالهم إلى العراق على أن يتم تبادل مصادرة الممتلكات اليهودية العراقية والفلسطينية بين الطرفين إلا أن لندن اعترضت حينئذٍ بشدة على هذه الصفقة معتبرة إياها راديكالية جداً، كما قام الراحل نوري السعيد استجابة للضغوط الصهيونية بتهيئة الظروف المناسبة للقبول بوجود حالة عامة من معاداة السامية في العراق تم فيها فصل الموظفين العراقيين اليهود من مؤسسات وقطاعات الدولة المختلفة ومنع منح التراخيص التجارية بالتوريد والتصدير للتجار من اليهود العراقيين، بالإضافة إلى ممارسة الاعتقالات المتعسفة لليهود العراقيين لأسباب تافهة أو من دون سبب إلا أن محاولات الصهيونية باءت بالفشل في إقناع اليهود العراقيين بالهجرة إلى فلسطين. فأرسلت "إسرائيل" إلى العراق جاسوسها المشهور (بن بورات) الذي اتصل في أكثر من مرة بنوري السعيد من أجل منحه مكافآت وحوافز مالية "رشى" ليقوم الأخير بمقتضاها باستصدار قرارات تنزع المواطنة العراقية وحقوقها عن اليهود العراقيين رغماً عنهم!
ولم تتوقف الاضطهادات الصهيونية عند هذا الحد بحق اليهود بل إنها استمرت في الخمسينيات بشكل أكثر دموية من خلال الانفجارات التي استهدفت التجمعات الدينية لليهود العراقيين وتميزت بشكل نوعي في استهداف المراكز الثقافية الأمريكية التي يتردد عليها اليهود كثيراً، ويستدل الصحفي اليهودي (نعيم قيلادي) بما نشرته المجلة الإسرائيلية (Haolam Hazeh ) المنشورة من قبل عضو الكنيست الإسرائيلي يوري أفنيري من اتهام للجاسوس الصهيوني (بن بورات) بالوقوف وراء تلك الانفجارات الدامية بحق اليهود العراقيين لترويعهم وحثهم على مغادرة العراق والهجرة نحو فلسطين، إلا أن (بن بورات) الذي أصبح عضواً في الكنيست الإسرائيلي لاحقاً أنكر هذه الاتهامات التي ظلت تتردد محاصرة إياه إلا أنه ورغم ذلك لم يقم بمقاضاة أو حتى الشكوى من هجمة هذه المجلة عليه أبداً!
ويواصل (نعيم قيلادي) سرده المتواصل فيكتب أن الجاسوس الصهيوني (بن بورات) الذي سفك من الدماء اليهودية ما سفك حتى ثمل لا يزال يدعى بازدراء ونفور من قبل اليهود العراقيين في "إسرائيل" بكنية (مراد أبوالقنابل). وقد ظهر (بن بورات) مؤخراً على الساحة الإعلامية وأطلق تصريحات أشاد فيها بحرارة بالانتخابات العراقية ككل وقال إنها "ستكون فاتحة نحو علاقات مستقبلية بين "إسرائيل" والعراق. أنا أشجع التصويت بين صفوف اليهود العراقيين في "إسرائيل" أو في أي بقعة من العالم" (صحيفة الغد الأردنية).
ويختتم الصحفي اليهودي قيلادي مقاله بنبرة حزينة تتحسر على الضحايا الأبرياء من اليهود في العراق فيكتب أن اليهود العراقيين الجهلاء تم خداعهم والتغرير بهم من خلال رمي عقولهم الفارغة بأحاديث وقصص عن أرض الميعاد التي تدر حليباً وعسلاً وينبت فيها البصل بحجم البطيخ وما أن يطأها الأعرج حتى يركض، أما اليهود العراقيون المتعلمون والمثقفون فقط تم رميهم بالقنابل ورشهم بالأحماض الكيميائية!
وللمزيد من التحقق حول الجرائم والاضطهادات الصهيونية بالعراق والمرتكبة في حق اليهود العراقيين قمت منذ فترة بالإطلاع على دراسة قيمة للكاتب حسن عبيد عيسى كانت قد نشرت في مجلة المستقبل العربي ( العدد 307 ) تحت عنوان (عزرا نحميا والحديث عن حقوق يهودية في العراق) رمى الكاتب منها إلى فضح ومهاجمة ذلك التواطؤ الإعلامي في عراق ما بعد (التحرير) مع المطالبات الصهيونية بالحقوق والممتلكات اليهودية بالعراق، فكشف الكاتب الضوء عن خبايا الدور الصهيوني القذر في العراق تجاه استهداف اليهود العراقيين فيكتب حول هذا الاستهداف أنه تحول إلى "هجوم متكرر بالقنابل المصنعة محلياً، وهذا يلائم فكرة إلصاق تلك الأعمال بالشبان العرب المتحمسين ضد الصهيونية" وأضاف أنه "أخذت أعمال الإرهاب الصهيونية طابعاً أكثر حدةً وتنظيماً. ففي الرابع عشر من أغسطس 1938م ألقيت قنبلة على نادي لورا خضوري جرحت اثنين وأخرى على نادي الرشيد اليهودي لم تنفجر، إلا أنها أحدثت ذعراً ورعباً بين الآمنين اليهود يوازيان حجم انفجارها. وفي الخامس عشر من أكتوبر 1938م كرر الإرهابيون استهداف نادي لورا خضوري فجرحت قنبلتهم ثلاثة أشخاص. ولم تحدث القنبلة التي ألقيت على أحد المعابد خسائر في تلك الليلة، كتلك التي فجرت في اليوم نفسه على أرض ساحة تطل عليها بيوت لليهود" ويواصل الكاتب فضح السادية الصهيونية التي لم تتردد أبداً في التنكيل باليهود العراقيين من أجل ترويعهم وبالتالي إجبارهم على الهجرة إلى أرض الميعاد فيذكر أن "الأسلوب السادي الآخر الذي اتبعه الصهاينة ضد اليهود الآمنين هو رش المستهدفين بالمواد الكيميائية - الحوامض. ولما كان أغلب اليهود على علم واطلاع تام على حقيقة ما يجري وهوية الجهات الفاعلة، فإنهم لم يكونوا راغبين في الهجرة إلى فلسطين استجابة لطلبات هؤلاء القتلة الساديين، الأمر الذي دعا بعضهم إلى اختيار أماكن أخرى للاستقرار فيها بعيداً عن مسلسل الإرهاب ذاك.
لقد أخذ بعض أثرياء اليهود يهربون أموالهم إلى أمريكا وليس إلى فلسطين!".
الثلاثاء، 26 مايو 2009
مقاطع من تاريخ الصهاينة والنازيين المشترك
*قضية كاستنر والجستابو:
لقد أثبتت مجموعة وثائق وأحداث قضية كاستنر الدور الذي لعبته الحركة الصهيونية العالمية في التعاون الوثيق مع أجهزة استخبارات هتلر، بخاصة وأن رودولف كاستنر كان مفوضاً للوكالة اليهودية العالمية وهو دكتور في الحقوق من أصل روماني وعضو مهم في المنظمة الصهيونية العالمية ورئيس اللجنة التنفيذية لاتحاد صهاينة بنسلفانيا، وبالوقت نفسه شغل منصب رئيس الاتحاد الصهيوني الهنغاري والرئيس التنفيذي لإنقاذ يهود هنغاريا ورومانيا في خلال الحرب العالمية الثانية. إلا أن فضيحة (إيخمان) في خلال المحاكمة في نيورينبرغ قد كشفت إذ تم جلب الوثائق والشهود والتأكيد بأن رودولف كاستنر قام في معسكرات الاعتقال النازي عام 1944م بدفع آلاف اليهود الهنغار والرومان للموت وسعى إلى دفع الـ أس. أس لإبادتهم وهو مسؤول عن مقتل 590 ألف يهودي من هنغاريا ورومانيا بموافقة قادة الجستابو والمنظمة الصهيونية العالمية بعد فرضهم للنظام الفاشي في غيتو "بودابست" وسوق هؤلاء اليهود بالقطارات بعد إقناعهم أنهم مهاجرون إلى أميركا، وبالخداع تم سوقهم إلى حتفهم وكتب الصهيوني (بن هتيا)[37] في كتابه بعنوان (الغدر):
"كان الكثير من يهود هنغاريا على بعد ثلاثة أميال من حدود رومانيا وتحت حراسة الجستابو النازية دفع بهم كاستنر إلى الموت دون وازع من الضمير أو الشفقة...".
وقد اعترف كاستنر أمام محكمة نيورينبرغ التي حاكمت المجرمين النازيين بأنه غطى على قسم كبير من أجهزة الأمن والمباحث المشتركة النازية- والصهيونية حقيقة وعدم كشف حقيقة دفع اليهود إلى المذابح بمؤامرة دنيئة منه كي يكونوا عبرة لغيرهم ليهاجروا إلى فلسطين قبل فوات الأوان إلا أنه في عام 1948م عين كاستنر مديراً للعلاقات العامة بوزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية ثم التحق بإذاعة إسرائيلية خاصة تبث برامجها إلى هنغاريا ورومانيا لتضليل الرأي العام هنالك[38]. حاول فيما بعد أحد الصحفيين اليهود التعرف على شخصيته واتهمه بأنه تعامل مع النازيين وجلب وثائق تدينه تماماً، وأظهر ذلك في قاعة المحكمة الإسرائيلية[39]، إلا أن الأجهزة السرية الإسرائيلية باغتت الصحفي وسرقت منه الوثائق بالكامل لإغلاق ملف تعاونها مع المخابرات النازية، وقررت قتله بعد تهديده من قبل الموساد للتراجع عن الدفع بالقضية إلى الأمام وإلا سيقتل، وهرب الصحفي إلى خارج الكيان الصهيوني ولم يعد أحد يعرف عنه شيئاً، وقررت الأجهزة السرية الإسرائيلية في آذار عام 1957م إسكات رودولف كاستنر للأبد، واغتالته بالرصاص ورغم أن جراحه خفيفة قررت قتله في إحدى المستشفيات وكان بن غوريون وغولدا مائير وآلون المخططين لهذا العمل، لأنهم أهم عناصر القيادة الصهيونية الذين عقدوا الصفقات والاتفاقيات مع الأجهزة السرية الألمانية لنقل الأسلحة وإيرادات الممتلكات اليهودية التي لم يستطع اليهود بيعها[40].
لنعود إلى الاتفاق الذي وقع بين الوكالة اليهودية- العالمية وبين فرع الجستابو تحت رقم (11-112) المسمى مكتب فلسطين المشترك الذي كانت مهمته انتقاء أفضل اليهود الألمان المناسبين من النواحي السياسية والمالية والفنية، لإرسالهم إلى فلسطين والدول العربية وبالأخص إلى مصر، واتفق الطرفان لكي يغادر هؤلاء بمجموعات سرية إلى البرازيل والأرجنتين بضمانة الجالية اليهودية الغنية والقوية فيها، ثم انتقلوا إلى جزر آزور بعلم الطرفين بين أعوام (1933م-1937م) ووصل منهم أكثر من 40 ألف يهودي ألماني، وكان قسم (ميلدنيشتاين) أنشئ ضمن جهاز أمن القوات الخاصة الألمانية النازية، وأقام صلات قوية مع المنظمة اليهودية العالمية، وفي عام 1937م وبمبادرة من شاخت رئيس البنك الألماني تمت الموافقة الشخصية من هتلر بتوسيع مجال عمل (الجمعية التجارية اليهودية- هآفارا[41] والتقى و(ايزرمان وجولدمان) زعيما المنظمة الصهيونية في خلال الثلاثينات بزعيم الفاشية الإيطالية (موسوليني) حليف هتلر والذي كان صاحب فضل كبير على اليهود الألمان والإيطاليين بتوسيع الصلات الاقتصادية لجمعية- هآفارا- وتم بالتعاون فيما بينهم افتتاح مدرسة عسكرية بحرية صهيونية (غير شرعية) في مدينة تشيفيتا فيكيا، الإيطالية، وظلت تنشط لصالح المنظمة الصهيونية، وأدخلت عليها مجموعات من منظمة يهودية شتيرن وآرغون (تزفاي ليؤمي) (المنظمة العسكرية القومية لإسرائيل) وهي جماعة انشقت عن الهاغاناه برئاسة (ف. جابوتنسكي زعيم بتيار الإرهابيين الصهاينة الإصلاحيين وشكلت فرقة (الحرس الأسود)[42] في خارج وداخل فلسطين ويعود إليها مجموعة أعمال إرهابية ضد العرب.
وزودت المستعمرات اليهودية في فلسطين بالمتخرجين من المدرسة العسكرية البحرية الإيطالية بالاتفاق مع موسوليني، واستطاعت القيادة الإرهابية الصهيونية في إيطاليا وتشكيوسلوفاكيا ودول أخرى جمع أموال كبيرة لشراء زوارق حربية وطوربيدات لهؤلاء المتخرجين وتم إرسالهم إلى ميناء (تل أبيب) لحماية المستعمرات تحت حجج حماية أنفسهم من العرب، وبمذكرات غولدا مائير أكدت أنهم لم يحلموا يوماً ما أن يكون لديهم ذلك الأسطول الجديد الحربي الذي اعتبر ميناء تل أبيب القريب من يافا ميناء حيوي لأنشطة البحرية الصهيونية واتصالاتها الخارجية عبر البحار.[43]
أما كاناريس رئيس جهاز (أبفيهر) المختص بـ المخابرات المضادة لألمانيا النازية نسق أنشطته مع رجال المخابرات الإسرائيلي في المنظمة الصهيونية العالمية، لاضطهاد اليهود وأوضحت وثائق الحرب العالمية الثانية، وبعد أن استولت عليها القوات السوفييتية حتى دخولها لبرلين، بأن هنالك شخص يدعى (يعقوب- ياكوف) كان ذاته مائير أميت أحد قادة المخابرات الخارجية الإسرائيلية، وهو الذي كشف محطة إذاعة الشيوعيين الألمان السرية، بعد أن باءت جهود الجستابو وجهاز أمن القوات الخاصة بالعثور على مكانه.
ألقيت المهمة على عصابة (شتيرن) وهاغاناه بيت و(آرغون تسفاي ليؤمي) في ألمانيا وإيطاليا، وزجت بمجموعات تلك العصابات بزعامة مناحيم بيغن الذي نسق بالكامل مع النازيين والجستابو لتحطيم وملاحقة الإذاعة وأنصار السوفييت، وكان تلميذاً لـ بينو في مقر الصهيونية في ألمانيا بشارع (ماينيكر- شتراسه) ببرلين، وبيغن وبينو صديقان حميمان بالإرهاب وسفك الدماء.
وتم كشف المجموعة في الإذاعة عبر اليهود الموالين للنازية الألمانية وجواسيس مناحيم بيغن وتم إعدامهم رمياً بالرصاص وأخذ بيغن على عاتقه مع (بينو) وموشيه أورباخ الذي كان بمدينة فيينا لإجراء كل عمليات التنسيق المشتركة مع الصهيوني (بولكيس) وصديق آخر لمناحيم بيغن، أما إيخمان فكان تحت تصرفهم دائماً في إدارة جهاز الأمن الخاص بفرع فلسطين (11-112) وهو أحد أهم عملاء النازيين الألمان بعد ذهابه خلسة إلى الشرق الأوسط، وكذلك الحال تم التقاط مجموعات من الشباب في الغيتوات في أوروبا الشرقية ممن يشبهون العرب (من رومانيا وهنغاريا) وحظيوا باهتمام الجستابو والأجهزة السرية للعصابات الصهيونية وبتأييد من (كاناريس- وبيغن) لإرسالهم إلى الدول العربية للتجسس وبالأخص في القاهرة حيث أثبتت فضيحة لافون وجود يهود ألمان بضمن المجموعة الإرهابية حينذاك.
كذلك كانت علاقة كاناريس بـ جابوتينسكي ورازين وشتيرن وإسحاق شامير قوية جداً وقد كان شامير معروفاً بـ"إسحاق يزرنتسكي" وقامت مجموعة مرتبطة بهؤلاء الإرهابيين سميت بـ مجموعة (كاناريس- شتيرن) من عام 1939م- حتى 1944م بالتخطيط لقتل اللورد موين المبعوث البريطاني للقاهرة للتداول مع الملك بقضايا معينة، وقد تأثر ونستون تشرشل بقوة بالحادث ثم علق على ذلك:
"إن بريطانيا هي مهندسة لمعماريين يهود نصنع لهم مستقبلهم، ونضمن ذلك المستقبل للصهيونية الجديدة، إلا أن مقتل الوزير المبعوث البريطاني في القاهرة هو من أسوأ أنواع الإرهاب والإجرام على الطريقة النازية الألمانية..."[44].
لقد أثبتت قضيتا كاستنر وكاناريس وعلاقاتهما مع قادة الإرهاب النازي وبأن المنظمات الصهيونية عملت خلال الحرب العالمية الثانية باتجاه واحد ضد السوفييت وستالين والجيش السوفييتي وفضحت تلك الأعمال والوثائق والسلوكيات الفاشية علاقات شتيرن، وآرغون، وغيرهما مع النازيين وبقتل وتشريد اليهود الألمان والرومان والهنغار وتسليم اليهود الموالين لموسكو إلى الأجهزة الألمانية أما غولدا مائير فقد أكدت بأن هؤلاء المرتدين أنصار شتيرن وآرغون كانوا يتمسكون بالعنف الشوفيني[45].
لقد أثبتت مجموعة وثائق وأحداث قضية كاستنر الدور الذي لعبته الحركة الصهيونية العالمية في التعاون الوثيق مع أجهزة استخبارات هتلر، بخاصة وأن رودولف كاستنر كان مفوضاً للوكالة اليهودية العالمية وهو دكتور في الحقوق من أصل روماني وعضو مهم في المنظمة الصهيونية العالمية ورئيس اللجنة التنفيذية لاتحاد صهاينة بنسلفانيا، وبالوقت نفسه شغل منصب رئيس الاتحاد الصهيوني الهنغاري والرئيس التنفيذي لإنقاذ يهود هنغاريا ورومانيا في خلال الحرب العالمية الثانية. إلا أن فضيحة (إيخمان) في خلال المحاكمة في نيورينبرغ قد كشفت إذ تم جلب الوثائق والشهود والتأكيد بأن رودولف كاستنر قام في معسكرات الاعتقال النازي عام 1944م بدفع آلاف اليهود الهنغار والرومان للموت وسعى إلى دفع الـ أس. أس لإبادتهم وهو مسؤول عن مقتل 590 ألف يهودي من هنغاريا ورومانيا بموافقة قادة الجستابو والمنظمة الصهيونية العالمية بعد فرضهم للنظام الفاشي في غيتو "بودابست" وسوق هؤلاء اليهود بالقطارات بعد إقناعهم أنهم مهاجرون إلى أميركا، وبالخداع تم سوقهم إلى حتفهم وكتب الصهيوني (بن هتيا)[37] في كتابه بعنوان (الغدر):
"كان الكثير من يهود هنغاريا على بعد ثلاثة أميال من حدود رومانيا وتحت حراسة الجستابو النازية دفع بهم كاستنر إلى الموت دون وازع من الضمير أو الشفقة...".
وقد اعترف كاستنر أمام محكمة نيورينبرغ التي حاكمت المجرمين النازيين بأنه غطى على قسم كبير من أجهزة الأمن والمباحث المشتركة النازية- والصهيونية حقيقة وعدم كشف حقيقة دفع اليهود إلى المذابح بمؤامرة دنيئة منه كي يكونوا عبرة لغيرهم ليهاجروا إلى فلسطين قبل فوات الأوان إلا أنه في عام 1948م عين كاستنر مديراً للعلاقات العامة بوزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية ثم التحق بإذاعة إسرائيلية خاصة تبث برامجها إلى هنغاريا ورومانيا لتضليل الرأي العام هنالك[38]. حاول فيما بعد أحد الصحفيين اليهود التعرف على شخصيته واتهمه بأنه تعامل مع النازيين وجلب وثائق تدينه تماماً، وأظهر ذلك في قاعة المحكمة الإسرائيلية[39]، إلا أن الأجهزة السرية الإسرائيلية باغتت الصحفي وسرقت منه الوثائق بالكامل لإغلاق ملف تعاونها مع المخابرات النازية، وقررت قتله بعد تهديده من قبل الموساد للتراجع عن الدفع بالقضية إلى الأمام وإلا سيقتل، وهرب الصحفي إلى خارج الكيان الصهيوني ولم يعد أحد يعرف عنه شيئاً، وقررت الأجهزة السرية الإسرائيلية في آذار عام 1957م إسكات رودولف كاستنر للأبد، واغتالته بالرصاص ورغم أن جراحه خفيفة قررت قتله في إحدى المستشفيات وكان بن غوريون وغولدا مائير وآلون المخططين لهذا العمل، لأنهم أهم عناصر القيادة الصهيونية الذين عقدوا الصفقات والاتفاقيات مع الأجهزة السرية الألمانية لنقل الأسلحة وإيرادات الممتلكات اليهودية التي لم يستطع اليهود بيعها[40].
لنعود إلى الاتفاق الذي وقع بين الوكالة اليهودية- العالمية وبين فرع الجستابو تحت رقم (11-112) المسمى مكتب فلسطين المشترك الذي كانت مهمته انتقاء أفضل اليهود الألمان المناسبين من النواحي السياسية والمالية والفنية، لإرسالهم إلى فلسطين والدول العربية وبالأخص إلى مصر، واتفق الطرفان لكي يغادر هؤلاء بمجموعات سرية إلى البرازيل والأرجنتين بضمانة الجالية اليهودية الغنية والقوية فيها، ثم انتقلوا إلى جزر آزور بعلم الطرفين بين أعوام (1933م-1937م) ووصل منهم أكثر من 40 ألف يهودي ألماني، وكان قسم (ميلدنيشتاين) أنشئ ضمن جهاز أمن القوات الخاصة الألمانية النازية، وأقام صلات قوية مع المنظمة اليهودية العالمية، وفي عام 1937م وبمبادرة من شاخت رئيس البنك الألماني تمت الموافقة الشخصية من هتلر بتوسيع مجال عمل (الجمعية التجارية اليهودية- هآفارا[41] والتقى و(ايزرمان وجولدمان) زعيما المنظمة الصهيونية في خلال الثلاثينات بزعيم الفاشية الإيطالية (موسوليني) حليف هتلر والذي كان صاحب فضل كبير على اليهود الألمان والإيطاليين بتوسيع الصلات الاقتصادية لجمعية- هآفارا- وتم بالتعاون فيما بينهم افتتاح مدرسة عسكرية بحرية صهيونية (غير شرعية) في مدينة تشيفيتا فيكيا، الإيطالية، وظلت تنشط لصالح المنظمة الصهيونية، وأدخلت عليها مجموعات من منظمة يهودية شتيرن وآرغون (تزفاي ليؤمي) (المنظمة العسكرية القومية لإسرائيل) وهي جماعة انشقت عن الهاغاناه برئاسة (ف. جابوتنسكي زعيم بتيار الإرهابيين الصهاينة الإصلاحيين وشكلت فرقة (الحرس الأسود)[42] في خارج وداخل فلسطين ويعود إليها مجموعة أعمال إرهابية ضد العرب.
وزودت المستعمرات اليهودية في فلسطين بالمتخرجين من المدرسة العسكرية البحرية الإيطالية بالاتفاق مع موسوليني، واستطاعت القيادة الإرهابية الصهيونية في إيطاليا وتشكيوسلوفاكيا ودول أخرى جمع أموال كبيرة لشراء زوارق حربية وطوربيدات لهؤلاء المتخرجين وتم إرسالهم إلى ميناء (تل أبيب) لحماية المستعمرات تحت حجج حماية أنفسهم من العرب، وبمذكرات غولدا مائير أكدت أنهم لم يحلموا يوماً ما أن يكون لديهم ذلك الأسطول الجديد الحربي الذي اعتبر ميناء تل أبيب القريب من يافا ميناء حيوي لأنشطة البحرية الصهيونية واتصالاتها الخارجية عبر البحار.[43]
أما كاناريس رئيس جهاز (أبفيهر) المختص بـ المخابرات المضادة لألمانيا النازية نسق أنشطته مع رجال المخابرات الإسرائيلي في المنظمة الصهيونية العالمية، لاضطهاد اليهود وأوضحت وثائق الحرب العالمية الثانية، وبعد أن استولت عليها القوات السوفييتية حتى دخولها لبرلين، بأن هنالك شخص يدعى (يعقوب- ياكوف) كان ذاته مائير أميت أحد قادة المخابرات الخارجية الإسرائيلية، وهو الذي كشف محطة إذاعة الشيوعيين الألمان السرية، بعد أن باءت جهود الجستابو وجهاز أمن القوات الخاصة بالعثور على مكانه.
ألقيت المهمة على عصابة (شتيرن) وهاغاناه بيت و(آرغون تسفاي ليؤمي) في ألمانيا وإيطاليا، وزجت بمجموعات تلك العصابات بزعامة مناحيم بيغن الذي نسق بالكامل مع النازيين والجستابو لتحطيم وملاحقة الإذاعة وأنصار السوفييت، وكان تلميذاً لـ بينو في مقر الصهيونية في ألمانيا بشارع (ماينيكر- شتراسه) ببرلين، وبيغن وبينو صديقان حميمان بالإرهاب وسفك الدماء.
وتم كشف المجموعة في الإذاعة عبر اليهود الموالين للنازية الألمانية وجواسيس مناحيم بيغن وتم إعدامهم رمياً بالرصاص وأخذ بيغن على عاتقه مع (بينو) وموشيه أورباخ الذي كان بمدينة فيينا لإجراء كل عمليات التنسيق المشتركة مع الصهيوني (بولكيس) وصديق آخر لمناحيم بيغن، أما إيخمان فكان تحت تصرفهم دائماً في إدارة جهاز الأمن الخاص بفرع فلسطين (11-112) وهو أحد أهم عملاء النازيين الألمان بعد ذهابه خلسة إلى الشرق الأوسط، وكذلك الحال تم التقاط مجموعات من الشباب في الغيتوات في أوروبا الشرقية ممن يشبهون العرب (من رومانيا وهنغاريا) وحظيوا باهتمام الجستابو والأجهزة السرية للعصابات الصهيونية وبتأييد من (كاناريس- وبيغن) لإرسالهم إلى الدول العربية للتجسس وبالأخص في القاهرة حيث أثبتت فضيحة لافون وجود يهود ألمان بضمن المجموعة الإرهابية حينذاك.
كذلك كانت علاقة كاناريس بـ جابوتينسكي ورازين وشتيرن وإسحاق شامير قوية جداً وقد كان شامير معروفاً بـ"إسحاق يزرنتسكي" وقامت مجموعة مرتبطة بهؤلاء الإرهابيين سميت بـ مجموعة (كاناريس- شتيرن) من عام 1939م- حتى 1944م بالتخطيط لقتل اللورد موين المبعوث البريطاني للقاهرة للتداول مع الملك بقضايا معينة، وقد تأثر ونستون تشرشل بقوة بالحادث ثم علق على ذلك:
"إن بريطانيا هي مهندسة لمعماريين يهود نصنع لهم مستقبلهم، ونضمن ذلك المستقبل للصهيونية الجديدة، إلا أن مقتل الوزير المبعوث البريطاني في القاهرة هو من أسوأ أنواع الإرهاب والإجرام على الطريقة النازية الألمانية..."[44].
لقد أثبتت قضيتا كاستنر وكاناريس وعلاقاتهما مع قادة الإرهاب النازي وبأن المنظمات الصهيونية عملت خلال الحرب العالمية الثانية باتجاه واحد ضد السوفييت وستالين والجيش السوفييتي وفضحت تلك الأعمال والوثائق والسلوكيات الفاشية علاقات شتيرن، وآرغون، وغيرهما مع النازيين وبقتل وتشريد اليهود الألمان والرومان والهنغار وتسليم اليهود الموالين لموسكو إلى الأجهزة الألمانية أما غولدا مائير فقد أكدت بأن هؤلاء المرتدين أنصار شتيرن وآرغون كانوا يتمسكون بالعنف الشوفيني[45].
كسبت الصهيونية العالمية إلى الآن معركتها ضد ألمانيا وفشلت كل الدعاوى القضائية التي أثبتها بعض الألمان في محاكم أوروبية ولعل قضية (ديفيد أرفينغ) المؤرخ الأوروبي المشهور كانت خير دليل على التعاضد اليهودي- الصهيوني على تبرير المحرقة النازية بشتى السبل، وبسبب من النفوذ السياسي والمالي والاقتصادي لليهودية العالمية في بريطانيا وفرنسا وروسيا وبعض الدول الأخرى ظلت المسألة اليهودية تنفخ في الأبواق الإعلامية الموالية للصهيونية، رغم أنه إذا نظرنا إلى المؤامرات والدسائس التي حاكها زعماء الصهاينة ضد الأرمن أيام السلطان عبد الحميد ومقتل عدد يتراوح بين 2 مليون إلى 3 مليون أرمني في أبشع صور الإجرام سنجد أن اليهود في الباب العالي كانوا وراء تلك المذبحة وبالأخص المجموعات الماسونية المنضوية تحت لواء محفل (النور) في أنقرة واستنبول، وهذه الجريمة طوتها صفحات التاريخ لأن الدول الغربية تحاول طمس معالمها رغم ما أقدمت عليه فرنسا مؤخراً بتجريم تركيا بمقتل الأرمن في مذابح بشعة وأقر ذلك التجريم في البرلمان الفرنسي بداية عام 2001[129] انتصار الحلفاء في الحرب الثانية والقضاء على الجيش النازي الهتلري وعلى أثر انتهاء الحرب اتفق زعماء تلك الدول بإنشاء كيان استعماري يهودي في بلادنا على أساس الاعتراف بدولة يهودية ودولة عربية وتأييد الاتحاد السوفييتي هذا الإعلان المدعوم من الأمم المتحدة وتمكنت إسرائيل من ابتزاز ألمانيا الغربية إلى حدود غريبة جداً ولم تستطع ابتزاز ألمانيا الشرقية حينما كان هوريش هوينكر معاد للصهيونية ووصمها بأنها وريثة النازية، وبالعكس وجهت الاتهامات لهونيكر بأنه يعادي السامية؟!.
وشكلت التعويضات الألمانية لإسرائيل فيما بعد نقطة تحول هامة ومصدر مالي وعسكري هام لدعم بناء "الدولة العبرية" وعقدت اتفاقيات التعويض كامتداد لاتفاقية هآفارا مع هتلر بالتعويض المباشر والنقدي عام 1952م إذ استطاعت إسرائيل من بناء قوتها العسكرية والاقتصادية وشكلت التعويضات ثمناً لخسارة الشعب الألماني معارك الحرب العالمية رغم أن ضحايا الحرب 40 مليون قتيل ورغم نيل التعويضات ظلت الدعاية اليهودية –الصهيونية في أوروبا تركز على المحرقة النازية ولفت أنظار أوروبا والعالم، وتناسي أكثر من 40 مليون قتيل قضت رحى الحرب عليهم فأرادت الصهيونية العالمية وبريطانيا ابتزاز أوروبا كلها فعملتا على بناء مراكز تذكارية لضحايا النازية من اليهود فقط في لندن، ونيويورك وأوتاوا وأمستردام والقدس، وإضافة إلى ذلك إنهاك كرامة الشعب الألماني تم بناء مركز أو نصبٍ تذكاري في وسط برلين لهذا الغرض بدعم من وزراء الدفاع والمال بدعم بريطانيا والولايات المتحدة رغم أن ألمانيا خسرت بمفردها في الحرب العالمية الثانية لا يقل عن (13) مليون شخص من ضمن الـ 40 مليون قتيل معظمهم من الشباب[130].
كرست بريطانيا دورها في الحرب للترويج إلى المحرقة النازية مع الدعاية الصهيونية العالمية وتم الاستمرار بمسلسل الابتزاز والإرهاب المسلط على الشعب الألماني حيث أضيفت مبالغ تقدر بـ 5.3 مليار دولار تعويضات عن أعمال السخرة التي قام بها اليهود لخدمة الجيش الألماني إضافة إلى ابتزاز البنوك الفرنسية والنمساوية والهولندية والسويسرية بدفع أكثر من (2) مليار دولار كتعويضات عن حسابات بنكية ومصرفية وضعها اليهود في تلك الدول قبيل الحرب العالمية الثانية.
عمل تحت المجهود العسكري في خدمة الجيش النازي ضمن المعتقلات والمعسكرات (714) ألف يهودي كعمال سخرة في 20 معتقلاً أو معسكراً في مناطق مختلفة من ألمانيا والنمسا وإيطاليا، ويعتبر شهود عيان من الناجين آلاف اليهود وغيرهم من الأوروبيين الذين شاهدوا موت زملائهم في المعتقلات والمعسكرات بسبب الجوع والبرد والأمراض، وبعد موتهم تم حرق بعضهم بسبب أمراض خطيرة (كالطاعون) وغيرها من الأمراض المعدية، وقبيل الحرب هرب اليهود من ألمانيا والنمسا وفي السنوات الأولى منها إلى سويسرا وأمريكا ودول أخرى وكان من بين الهاربين قبيل الحرب العالم اليهودي (آنشتين) الذي كان زعيماً لمنظمة (البيت اليهودي) في النمسا وألمانيا، وكانت هذه المنظمة جمعية خيرية وسياسية سرية تتوزع عليها وعلى اليهود كتب سرية (بروتوكولات المطبوعة في بريطانيا وفرنسا ولم يكن عدد اليهود في فترة وجود آنشتين في ألمانيا عام 1939م ليتجاوز الـ 850 ألف شخص إلا إنه كان لهم نفوذهم السياسي والاقتصادي في النمسا وألمانيا بشكل قوي وكانت دور النشر الألمانية معظمها تابعة لليهود الذين طبعوا فيها مجموعة كتب باللغة اليديشية أو الألمانية التي تؤيد الأفكار الماركسية أو الصهيونية حسب آرائهم، باعتبار أن ماركس كان يهودياً علمياً متفوقاً بآرائه على الآراء الصهيونية العنصرية برزت الخلافات الشديدة بين الاتجاهين حتى أن الصهيونية المرتبطة بالجستابو تعاونت من أجل تسليم الشيوعيين والاشتراكيين واليساريين اليهود للنازية وكرس هؤلاء جل وقتهم للتعاون مع الأفكار النازية من عصابات (شتيرن وآرغون، وبيتار) مقنعين هتلر وغيره بإمكانية انتصار النازية في الشرق وفلسطين وبناء الرايخ النازي –الصهيوني- الفاشي في فلسطين فيما إذا انتصرت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية؟![131].
وفي خلال الحرب ا لتقى الأسرى من مختلف الجنسيات والقوميات والأديان من الروس والبولونيين والبوسنيين والفرنسيين الكاثوليك والأرثوذكس والمسلمين في معسكرات الاعتقال النازية إلى جانب اليهود إلى أن تم تخصيص معسكرات خاصة لهم بالاتفاق مع شركة هآفارا لتهجيرهم بشكل كلي بعيد الحرب إلى فلسطين بالاتفاق مع (موسى هس) و (هتلر) وانتقاماً من اليهود وبالأخص الشيوعيون منهم الذين عملوا لصالح الاتحاد السوفييتي أو الاشتراكيين والديغوليين الذين عملوا مع فرنسا، أو مع الليبراليين والنبلاء الذين عملوا مع بريطانيا، بدأ الألمان بإرسال اليهود عام 1941م إلى معسكرات اعتقال خاصة بهم وأجبروهم على وضع النجمة السداسية على صدورهم وبعد أن أدرك الألمان أن اليهود الأمريكيين يقفون مع الحكومة الأمريكية في الحرب ضدهم وفرضت عليهم الأعمال الإجبارية وانتزعت حقوقهم نهائياً وطرح النازيون أفكار عنصرية حول نقاء العنصر الجرماني بطرد اليهود بدونيتهم من ألمانيا وكانت المؤرخة اليهودية-الأمريكية (منة أرندت) ذكرت ذلك في كتاباتها عن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة للتدخل في الحرب لصالح الحلفاء، بعد أن أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية واحتكارييها بدعم إمكانياته وتطلعاتها لاحتلال الاتحاد السوفيتي والتخلص من النظام الشيوعي في موسكو.
لقد طلبت المنظمات الصهيونية من اليهود بوضع (النجمة الصهيونية) على صدوهم ورؤوسهم وأيديهم لتمييزهم عن باقي السجناء الأوربيين واستشعر اليهود بالذل والمهانة حينما فرض الحزب النازي عليهم بوضع النجمة الصهيونية الصفراء على صدورهم وبيوتهم ومعسكرات الاعتقال باعتبارهم خونة وجواسيس وتآمروا على قتل الفوهور هتلر عدة مرات رغم أنه يحقق مطامع الصهيونية بالقضاء على الاتحاد السوفييتي.
دعت سويسرا عام 1941م إلى مؤتمر دولي في أيلول لتدارس المسألة اليهودية ورفضت الدول الأوروبية فتح أبواب هجرة اليهود الألمان الذين يتحدثون (اليديشة) دون وضع قيود مسبقة عليهم وبالأخص بضغط وابتزاز من الحركة الصهيونية فبعض الدول طلبت تسفيرهم إلى أميركا والأرجنتين والبرازيل وبعض الدول وجهتهم للهجرة إلى فلسطين وحتى وإن عملت الوكالة اليهودية العالمية وسعت إلى تهديد كل يهودي لا يفكر بالهجرة إلى فلسطين بالقتل.
وكانت الدول الأوروبية قبيل الحرب وبعدها بقليل لا تريد الدخول بتفاصيل (اللاسامية) وإعادة المسألة من بداياتها علماً أن معسكرات الاعتقال اليهودية كانت منتشرة في دول أوروبية كثيرة غير ألمانيا، لنجد أن بريطانيا عام 1904م أسست (27) معسكر اعتقال جماعياً لليهود في مستعمراتهم في مصر، وسيناء، والهند، وأستراليا، وجنوب إفريقيا وتم احتجاز مئات الآلاف منهم وماتوا جوعاً دون أن تتحرك الصهيونية العالمية لإنقاذهم لأنهم أرادوا السفر إلى الولايات المتحدة أو البقاء في أماكنهم فلا نجد أي ذكر لهؤلاء في الدعاية الصهيونية أو في الإعلام الغربي؟!.
إضافة إلى ذلك كانت روسيا تقيم 21 معسكراً للاعتقال الجماعي معظم ضحاياها من شعوب آسيا الوسطى والقفقاس المسلمين (منطقة شمال القفقاس) وتم نفيهم إلى أدغال سيبيريا وقتل منهم الآلاف على يد الجنرال الكبير مستشار ستالين (بيريا) عام 1921م وابتدأ بمسؤولياته الخطيرة من عام 1921م كرئيس لجهاز الشرطة السرية وقبل ذلك كضابط صغير مسؤول عن أحد السجون أيام القيصر والحكومة اليهودية المؤقتة، وقد نصحته بريطانيا والصهيونية العالمية بالانضمام للبلاشفة كي يفيدهم فيما بعد بالتآمر والتجسس لحسابهما، وكان مشهوراً بدوره الإجرامي الخطير في سجون القيصرية والبلشفية وقتل ملايين البشر تحت حجج أنها أوامر من ستالين[132].
أكدت (جماعة مراجعة التاريخ) طبيعة العلاقات السرية التي نشأت بين أقرباء هتلر من طرف والدته من اليهود وبينه لوضعهم في مناصب حزبية وأقنية عالية جداً وبأن العديد من اليهود كانوا مستشارين له لهم حق التصرف المطلق وأن هتلر ساعد هآفارا على تهجير اليهود إلى فلسطين سراً، وكانت مساعداته لمنظمات صهيونية في فلسطين تفوق مساعدات بريطانيا والولايات المتحدة معتقداً أنه سينتصر في الحرب، وسوف يسيطر على قناة السويس وسكك الحديد من بغداد ونفط الخليج وباكو، وفي عام 1937م وقع هتلر اتفاقية بين الحكومة النازية ومندوبين عن الحركة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية من أجل تسهيل سيطرة الصهيونية النازية على الحكم الألماني وبالتالي تسهيل هجرة اليهود من ألمانيا وأوروبا إلى الرايخ في فلسطين وتأمين نقل ممتلكاتهم وأموالهم ووثائقهم وكل ما يمتلكونه عبر (شركة هآفارا التجارية) إذ نقل مع اليهود إلى فلسطين (133) ألف جنيه استرليني وأكثر من 240 ألف مارك ألماني بإذن وباتفاق مع هتلر نفسه.
لقد وقف العديد من الباحثين والعلماء والكتاب يستنكرون أكاذيب الصهيونية حول المحرقة النازية التي يشاع فيها بأن هتلر أحرق (3) ملايين يهودي، إذ لم تحتو ألمانيا مطلقاً على هذا العدد الضخم من اليهود ولا حتى أوروبا نفسها[133].
في ختام أعمال (جماعة مراجعة التاريخ) حاربتها المنظمات اليهودية واللوبي الصهيوني في أوروبا وأمريكا عبر الدعاية وتقديم الشكاوي القضائية لإجراء تعتيم شامل على آرائهم ومواقفهم بكشف أكذوبة المحرقة النازية هذا ما فعله ديفيد أرفينغ ضد دبوره لبشتات لكن قبل الدخول في ذلك علينا تسليط الأضواء على انكسارات ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لقد التزمت ألمانيا بتعويضات للدول المتضررة في الحرب العالمية الأولى وفرض عليها بالقوة إعادة كميات ضخمة من (الذهب) لتركيا والإمبراطورية النمساوية وروسيا وهنغاريا حيث اتفق في اتفاقيات فرساي 28/6/1919م من قبل الحلفاء ضد الدول المهزومة وهي اليابان وألمانيا وإيطاليا.
لقد وجدت الولايات المتحدة من واجبها التعويض على القطاع العام فيها، بينما أدخلت بريطانيا تعويضات على خسائر الأفراد وفرضت فرنسا على ألمانيا تعويضات تقدر بـ 220 مليار مارك ذهبي، إلا أن الكونغرس الأمريكي رفض التصديق على لجنة التعويضات (فرنسا، بريطانيا، أميركا، إيطاليا) إضافة إلى دول اليابان، بلجيكا، ويوغسلافيا، إذ اقتصرت اللجنة على الدول الأربع الأولى وعقدت اللجنة اجتماعاً لها عام 1920م من نتائجها توزيع التعويضات على الدول.
-فرنسا (52%).
-بريطانيا (22%).
-إيطاليا (10%).
-بلجيكا (8%).
-اليابان ورومانيا ويوغسلانيا 0.75%، و0.75% للبرتغال.
وقدرت قيمة التعويضات تلك بـ (132) مليار مارك ذهبي على أن تدفع سنوياً (2) مليار مارك ذهبي بالإضافة إلى ربع قيمة الصادرات الألمانية المقدرة آنذاك 4 مليار مارك ذهبي أي عليها دفع تعويضات لمدة 45 عاماً تقريباً، وعقدت فرنسا اتفاقاً مع ألمانيا (راتنو-لوشور) في 1922 لدفع التعويضات نقداً وهدفت من وراء ذلك زرع الخلافات بين الدول التي تدفع لها التعويضات.
كذلك ألزم مؤتمر 1945م بين دول الحلفاء المنتصرة على هتلر في الحرب العالمية الثانية بأن تدفع ألمانيا مبالغ قدرت بـ 20 مليار دولار كتعويض عن خسائر الحرب، وألزمت بإعادة كل المحلات المسروقة بما فيها اللوحات الفنية القديمة غالية الثمن وألزمت إيطاليا بإعادة كل ما تم نهبه من الحرب من أموال وذهب وأثاث من قبلها.
إذاً تم ابتزاز ألمانيا الضعيفة بسبب فشلها بالحرب العالمية الأولى والثانية، واستغلت الحركة الصهيونية العالمية النزاعات والخلافات فيما بين الدول واستطاعت تحريك أيديها الخفية عبر شتى الأساليب، حتى فيما إذا نظرنا إلى مسألة الهولوكوست التي استغلتها جيداً بدعم من الدعاية البريطانية والفرنسية والأمريكية، وسنجد أن هذا الحلف الاستعماري ظل ولا يزال يتلاعب بمصير الشعوب والتحولات السياسية في أوروبا والشرق الأوسط والعالم لمصلحة اليهود والصهاينة بكل المعايير اللاأخلاقية واللاقانونية.
لقد تجلت قضية المؤرخ (ديفيد ارفنيغ)[134] التي رفعها ضد المؤلفة اليهودية (دبوره لبشتات)[135] وناشر كتابها بنغوين إذ قدم المؤرخ أرفينغ مئات الوثائق وجلب الخبراء من أكثر من مكان في العالم لكي يثبت لها أن كتابها مدموغ بالأكاذيب والأضاليل عن (المحرقة اليهودية) وبالمقابل استفزت (دبوره) يهود لندن وأثرياءها ويهود أوروبا والولايات المتحدة من مجموعات الضغط والابتزاز اليهودية واللوبي الصهيوني المتنفذ في أوروبا وأمريكا لإثبات عكس ما أثبته ديفيد أرفينغ وكان الثري (سبيلبرغ) قد دعم لبشتات مالياً وإضافة إلى حكومة العدو الصهيونية ضد كتاب أرفينغ عن (أيخمان) وقد وجهت الدعاية الصهيونية ضده لأنه كتب التاريخ والحقائق ملموسة وواقعية عما يسمى بالمحرقة النازية إذ أكد أن الإنسان العاقل لا ينكر دور الهتلرية في قتل اليهود وغيرهم ووضعهم في معسكرات اعتقال لكن الحركة الصهيونية واليهود وإسرائيل بالغوا في عدد الذين ماتوا أو قتلوا، مستنكراً المزاعم القائلة بأنه استخدمت غرف الغاز في "اوسيفيتز" ضدهم، وأكد أن اليهود ماتوا كغيرهم بسبب الجوع وأعمال السخرة والأمراض وأحرق منهم العديد كما أحرق من غيرهم.
تعتبر دبوره لبشتات من أنشط الكتاب اليهود الصهاينة في الولايات المتحدة وهي ملتزمة بكل ماهو تحريفي وشوفيني لصالح العنصرية الصهيونية، وتؤسس العداء لليهود بفضل تعصبها المتطرف والمعادي للشعوب الأوروبية غير متناسية أدوار أوروبا السابقة في قتل وحرق اليهود في مدينة (نيدلنفن) وهي متطرفة حقودة تدافع عن العصابات الصهيونية وأنشطتها الفاشية الإرهابية واستغلت المحاكم البريطانية كعادتها قضية المؤرخ البريطاني مؤكدة بأنه لا يمكن إنكار وجود غرف الغاز في معسكرات الاعتقال اليهودية حيث زعمت لبشتات، والقاضي البريطاني بأن ألمانيا النازية حرقت 3 ملايين يهودي في غرف الغاز بينما لم يكن في ألمانيا قبل وفي خلال الحرب أكثر من مليون يهودي وهذه الأكذوبة لا تنطلي على أحد إلا المتضامنين تاريخياً مع الصهيونية العالمية وبالأخص بريطانيا صاحبة وعد بلفور المشؤوم 1917م وصاحبة الانتداب على فلسطين والتآمر مع بن غوريون وغولدا مائير وعصاباتهما لاغتصاب فلسطين لقد كان رئيس الورزاء الإسرائيلي (أهودا باراك) من أوائل الذين هنؤوا دبوره لبشتات على انتصارها في قضية (أرفيننغ) والذي قال فيها:
"إن الحكم الذي أصدره القاضي البريطاني نصر للعالم الحر ضد قوى الظلام التي تحاول إزالة ذكرى أسوأ درجة أدركتها الإنسانية وأن إسرائيل مستمرة في النضال ضد أولئك الذين ينكرون الهولوكوست"؟![136].
إذاً ماذا نقول عن تصرفات باراك الفاشية والإرهابية، بذهابه لبيروت وبقتل كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار؟ وماذا نقول عن جزار وسفاح مجازر صبرا وشاتيلا أريئيل شارون وعن مذابح دير ياسين وكفر قاسم وقبية ونحالين وحواسه وهدارا الكرمل والمذبحة اليهودية المخطط لها سلفاً مع إدارة مصفاة حيفا (الرفيزي) تلك الإدارة البريطانية التي سوغت لنفسها التآمر مع العصابات الصهيونية لقتل العمال العرب بالقنابل اليدوية؟ ماذا نتحدث عن المحرقة الصهيونية المكرسة منذ أكثر من خمسين عاماً ضد الشعب الفلسطيني ماذا نقول عن اعترافات شلومو بن عامي في 28 تشرين الثاني 2000م حيث أكد (عكيفا ألدار) في صحيفة هآرتس في جلسة للحكومة الإسرائيلية بأن وزير الخارجية الإسرائيلية اعترف وبشكل رسمي:
"الشعب الفلسطيني واقع تحت الاحتلال وهو محتل ومحاصر في مواجهة محتليه"[137].
لعل ما ذكره (عكيفا ألدار) عن قول شلومو بن عامي نصف الحقيقة، والحقيقة الكاملة علق عليها هنري سيغمان[138] لقد وجد الإسرائيليون أنه مؤلم لهم الاعتراف بالظلم الذي وقع على الفلسطينيين نتيجة قيام الدولة اليهودية لأنهم اعتبروا الاعتراف بذلك إسقاط تاريخي وسياسي وقانوني لشرعية المشروع الصهيوني كله على أنه قائم على الباطل وليس على شيء آخر[139].
ليس من حق حكومة الإرهابي "أهودا باراك" أن تطالب الفلسطينيين الالتزام بالخضوع للقانون الدولي، وهي تخترق القانون الدولي وجميع الاتفاقيات الموقعة لصالح الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وبالأخص حق العودة وتقرير المصير وحق التعويض عن سنوات القهر والقتل والتهجير، وتحديد الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بمعانيها الإنسانية والتحررية، لقد أكد هنري سيغمان رداً على دبورة لبشتات وعلى شارون وباراك بأن يحذوا مع مثقفي وسياسي "إسرائيل" حذو شلومو بن عامي وان يحوّلوا أفكاره والإقرار الخافت لوزير الخارجية فيتحول إلى فعل سياسي بنَّاء وإنساني وليس إلى فعل عنصري وبربري متوحش.
لا يمكن تناسي قضية أن النازية الألمانية لعبت دوراً خطيراً في تدمير مقدرات دول وشعوب بشكل فاشي بغزوها الهمجي لاحتلال أوروبا والاتحاد السوفييتي طمعاً في بحر قزوين ونفط باكو والمنطقة، وكرست النازية المقولات والثقافة العنصرية المعادية لجميع البشر تحت ما يسمى تفوق (العرق الجرماني) وهي المقولات الصهيونية العنصرية نفسها المعادية لشعوب وأمم العالم تحت ما يسمونه (معاداة السامية) فتحت هذا الشعار نهضت المسألة اليهودية من تحت رمادها وحركتها الدول الكبرى لإبراز دورها ووزنها وقوتها في العلاقات الدولية.
والشعوب الأوروبية وأحزابها التقدمية حاربت الهتلرية ودافعت عن نفسها أيضاً، أما الحركة اليهودية –والصهيونية فلم تدافع عن أوروبا وبلدانها بل دافعت عن يهوديتها فقط، حتى في خلال الحرب، ودفعت بالآلاف للهجرة لتحقيق أهدافها العنصرية الضيقة، ولم تدافع عن الإنسانية والبشرية في الحرب مطلقاً...؟!.
أما تصريحات (هتلر صغير) أيدها كل من أمنون شاحاك واسحق ليفي من علي منصة الكنيست الإسرائيلي، لكن أكدت الأوساط العربية والروسية ودول أخرى بأن تصريحاته تعيد للأذهان الوجه النازي لحكام إسرائيل بينما علقت روسيا عبر ناطق حكومي بأنها (أي تصريحات ديفيد ليفي) تزيد من حدة التوتر وتدفع للمزيد من القلق، ولا تقدم عملية السلام إلى الأمام أية خطوة مع زيادة التطرف الصهيوني وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
وشكلت التعويضات الألمانية لإسرائيل فيما بعد نقطة تحول هامة ومصدر مالي وعسكري هام لدعم بناء "الدولة العبرية" وعقدت اتفاقيات التعويض كامتداد لاتفاقية هآفارا مع هتلر بالتعويض المباشر والنقدي عام 1952م إذ استطاعت إسرائيل من بناء قوتها العسكرية والاقتصادية وشكلت التعويضات ثمناً لخسارة الشعب الألماني معارك الحرب العالمية رغم أن ضحايا الحرب 40 مليون قتيل ورغم نيل التعويضات ظلت الدعاية اليهودية –الصهيونية في أوروبا تركز على المحرقة النازية ولفت أنظار أوروبا والعالم، وتناسي أكثر من 40 مليون قتيل قضت رحى الحرب عليهم فأرادت الصهيونية العالمية وبريطانيا ابتزاز أوروبا كلها فعملتا على بناء مراكز تذكارية لضحايا النازية من اليهود فقط في لندن، ونيويورك وأوتاوا وأمستردام والقدس، وإضافة إلى ذلك إنهاك كرامة الشعب الألماني تم بناء مركز أو نصبٍ تذكاري في وسط برلين لهذا الغرض بدعم من وزراء الدفاع والمال بدعم بريطانيا والولايات المتحدة رغم أن ألمانيا خسرت بمفردها في الحرب العالمية الثانية لا يقل عن (13) مليون شخص من ضمن الـ 40 مليون قتيل معظمهم من الشباب[130].
كرست بريطانيا دورها في الحرب للترويج إلى المحرقة النازية مع الدعاية الصهيونية العالمية وتم الاستمرار بمسلسل الابتزاز والإرهاب المسلط على الشعب الألماني حيث أضيفت مبالغ تقدر بـ 5.3 مليار دولار تعويضات عن أعمال السخرة التي قام بها اليهود لخدمة الجيش الألماني إضافة إلى ابتزاز البنوك الفرنسية والنمساوية والهولندية والسويسرية بدفع أكثر من (2) مليار دولار كتعويضات عن حسابات بنكية ومصرفية وضعها اليهود في تلك الدول قبيل الحرب العالمية الثانية.
عمل تحت المجهود العسكري في خدمة الجيش النازي ضمن المعتقلات والمعسكرات (714) ألف يهودي كعمال سخرة في 20 معتقلاً أو معسكراً في مناطق مختلفة من ألمانيا والنمسا وإيطاليا، ويعتبر شهود عيان من الناجين آلاف اليهود وغيرهم من الأوروبيين الذين شاهدوا موت زملائهم في المعتقلات والمعسكرات بسبب الجوع والبرد والأمراض، وبعد موتهم تم حرق بعضهم بسبب أمراض خطيرة (كالطاعون) وغيرها من الأمراض المعدية، وقبيل الحرب هرب اليهود من ألمانيا والنمسا وفي السنوات الأولى منها إلى سويسرا وأمريكا ودول أخرى وكان من بين الهاربين قبيل الحرب العالم اليهودي (آنشتين) الذي كان زعيماً لمنظمة (البيت اليهودي) في النمسا وألمانيا، وكانت هذه المنظمة جمعية خيرية وسياسية سرية تتوزع عليها وعلى اليهود كتب سرية (بروتوكولات المطبوعة في بريطانيا وفرنسا ولم يكن عدد اليهود في فترة وجود آنشتين في ألمانيا عام 1939م ليتجاوز الـ 850 ألف شخص إلا إنه كان لهم نفوذهم السياسي والاقتصادي في النمسا وألمانيا بشكل قوي وكانت دور النشر الألمانية معظمها تابعة لليهود الذين طبعوا فيها مجموعة كتب باللغة اليديشية أو الألمانية التي تؤيد الأفكار الماركسية أو الصهيونية حسب آرائهم، باعتبار أن ماركس كان يهودياً علمياً متفوقاً بآرائه على الآراء الصهيونية العنصرية برزت الخلافات الشديدة بين الاتجاهين حتى أن الصهيونية المرتبطة بالجستابو تعاونت من أجل تسليم الشيوعيين والاشتراكيين واليساريين اليهود للنازية وكرس هؤلاء جل وقتهم للتعاون مع الأفكار النازية من عصابات (شتيرن وآرغون، وبيتار) مقنعين هتلر وغيره بإمكانية انتصار النازية في الشرق وفلسطين وبناء الرايخ النازي –الصهيوني- الفاشي في فلسطين فيما إذا انتصرت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية؟![131].
وفي خلال الحرب ا لتقى الأسرى من مختلف الجنسيات والقوميات والأديان من الروس والبولونيين والبوسنيين والفرنسيين الكاثوليك والأرثوذكس والمسلمين في معسكرات الاعتقال النازية إلى جانب اليهود إلى أن تم تخصيص معسكرات خاصة لهم بالاتفاق مع شركة هآفارا لتهجيرهم بشكل كلي بعيد الحرب إلى فلسطين بالاتفاق مع (موسى هس) و (هتلر) وانتقاماً من اليهود وبالأخص الشيوعيون منهم الذين عملوا لصالح الاتحاد السوفييتي أو الاشتراكيين والديغوليين الذين عملوا مع فرنسا، أو مع الليبراليين والنبلاء الذين عملوا مع بريطانيا، بدأ الألمان بإرسال اليهود عام 1941م إلى معسكرات اعتقال خاصة بهم وأجبروهم على وضع النجمة السداسية على صدورهم وبعد أن أدرك الألمان أن اليهود الأمريكيين يقفون مع الحكومة الأمريكية في الحرب ضدهم وفرضت عليهم الأعمال الإجبارية وانتزعت حقوقهم نهائياً وطرح النازيون أفكار عنصرية حول نقاء العنصر الجرماني بطرد اليهود بدونيتهم من ألمانيا وكانت المؤرخة اليهودية-الأمريكية (منة أرندت) ذكرت ذلك في كتاباتها عن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة للتدخل في الحرب لصالح الحلفاء، بعد أن أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية واحتكارييها بدعم إمكانياته وتطلعاتها لاحتلال الاتحاد السوفيتي والتخلص من النظام الشيوعي في موسكو.
لقد طلبت المنظمات الصهيونية من اليهود بوضع (النجمة الصهيونية) على صدوهم ورؤوسهم وأيديهم لتمييزهم عن باقي السجناء الأوربيين واستشعر اليهود بالذل والمهانة حينما فرض الحزب النازي عليهم بوضع النجمة الصهيونية الصفراء على صدورهم وبيوتهم ومعسكرات الاعتقال باعتبارهم خونة وجواسيس وتآمروا على قتل الفوهور هتلر عدة مرات رغم أنه يحقق مطامع الصهيونية بالقضاء على الاتحاد السوفييتي.
دعت سويسرا عام 1941م إلى مؤتمر دولي في أيلول لتدارس المسألة اليهودية ورفضت الدول الأوروبية فتح أبواب هجرة اليهود الألمان الذين يتحدثون (اليديشة) دون وضع قيود مسبقة عليهم وبالأخص بضغط وابتزاز من الحركة الصهيونية فبعض الدول طلبت تسفيرهم إلى أميركا والأرجنتين والبرازيل وبعض الدول وجهتهم للهجرة إلى فلسطين وحتى وإن عملت الوكالة اليهودية العالمية وسعت إلى تهديد كل يهودي لا يفكر بالهجرة إلى فلسطين بالقتل.
وكانت الدول الأوروبية قبيل الحرب وبعدها بقليل لا تريد الدخول بتفاصيل (اللاسامية) وإعادة المسألة من بداياتها علماً أن معسكرات الاعتقال اليهودية كانت منتشرة في دول أوروبية كثيرة غير ألمانيا، لنجد أن بريطانيا عام 1904م أسست (27) معسكر اعتقال جماعياً لليهود في مستعمراتهم في مصر، وسيناء، والهند، وأستراليا، وجنوب إفريقيا وتم احتجاز مئات الآلاف منهم وماتوا جوعاً دون أن تتحرك الصهيونية العالمية لإنقاذهم لأنهم أرادوا السفر إلى الولايات المتحدة أو البقاء في أماكنهم فلا نجد أي ذكر لهؤلاء في الدعاية الصهيونية أو في الإعلام الغربي؟!.
إضافة إلى ذلك كانت روسيا تقيم 21 معسكراً للاعتقال الجماعي معظم ضحاياها من شعوب آسيا الوسطى والقفقاس المسلمين (منطقة شمال القفقاس) وتم نفيهم إلى أدغال سيبيريا وقتل منهم الآلاف على يد الجنرال الكبير مستشار ستالين (بيريا) عام 1921م وابتدأ بمسؤولياته الخطيرة من عام 1921م كرئيس لجهاز الشرطة السرية وقبل ذلك كضابط صغير مسؤول عن أحد السجون أيام القيصر والحكومة اليهودية المؤقتة، وقد نصحته بريطانيا والصهيونية العالمية بالانضمام للبلاشفة كي يفيدهم فيما بعد بالتآمر والتجسس لحسابهما، وكان مشهوراً بدوره الإجرامي الخطير في سجون القيصرية والبلشفية وقتل ملايين البشر تحت حجج أنها أوامر من ستالين[132].
أكدت (جماعة مراجعة التاريخ) طبيعة العلاقات السرية التي نشأت بين أقرباء هتلر من طرف والدته من اليهود وبينه لوضعهم في مناصب حزبية وأقنية عالية جداً وبأن العديد من اليهود كانوا مستشارين له لهم حق التصرف المطلق وأن هتلر ساعد هآفارا على تهجير اليهود إلى فلسطين سراً، وكانت مساعداته لمنظمات صهيونية في فلسطين تفوق مساعدات بريطانيا والولايات المتحدة معتقداً أنه سينتصر في الحرب، وسوف يسيطر على قناة السويس وسكك الحديد من بغداد ونفط الخليج وباكو، وفي عام 1937م وقع هتلر اتفاقية بين الحكومة النازية ومندوبين عن الحركة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية من أجل تسهيل سيطرة الصهيونية النازية على الحكم الألماني وبالتالي تسهيل هجرة اليهود من ألمانيا وأوروبا إلى الرايخ في فلسطين وتأمين نقل ممتلكاتهم وأموالهم ووثائقهم وكل ما يمتلكونه عبر (شركة هآفارا التجارية) إذ نقل مع اليهود إلى فلسطين (133) ألف جنيه استرليني وأكثر من 240 ألف مارك ألماني بإذن وباتفاق مع هتلر نفسه.
لقد وقف العديد من الباحثين والعلماء والكتاب يستنكرون أكاذيب الصهيونية حول المحرقة النازية التي يشاع فيها بأن هتلر أحرق (3) ملايين يهودي، إذ لم تحتو ألمانيا مطلقاً على هذا العدد الضخم من اليهود ولا حتى أوروبا نفسها[133].
في ختام أعمال (جماعة مراجعة التاريخ) حاربتها المنظمات اليهودية واللوبي الصهيوني في أوروبا وأمريكا عبر الدعاية وتقديم الشكاوي القضائية لإجراء تعتيم شامل على آرائهم ومواقفهم بكشف أكذوبة المحرقة النازية هذا ما فعله ديفيد أرفينغ ضد دبوره لبشتات لكن قبل الدخول في ذلك علينا تسليط الأضواء على انكسارات ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لقد التزمت ألمانيا بتعويضات للدول المتضررة في الحرب العالمية الأولى وفرض عليها بالقوة إعادة كميات ضخمة من (الذهب) لتركيا والإمبراطورية النمساوية وروسيا وهنغاريا حيث اتفق في اتفاقيات فرساي 28/6/1919م من قبل الحلفاء ضد الدول المهزومة وهي اليابان وألمانيا وإيطاليا.
لقد وجدت الولايات المتحدة من واجبها التعويض على القطاع العام فيها، بينما أدخلت بريطانيا تعويضات على خسائر الأفراد وفرضت فرنسا على ألمانيا تعويضات تقدر بـ 220 مليار مارك ذهبي، إلا أن الكونغرس الأمريكي رفض التصديق على لجنة التعويضات (فرنسا، بريطانيا، أميركا، إيطاليا) إضافة إلى دول اليابان، بلجيكا، ويوغسلافيا، إذ اقتصرت اللجنة على الدول الأربع الأولى وعقدت اللجنة اجتماعاً لها عام 1920م من نتائجها توزيع التعويضات على الدول.
-فرنسا (52%).
-بريطانيا (22%).
-إيطاليا (10%).
-بلجيكا (8%).
-اليابان ورومانيا ويوغسلانيا 0.75%، و0.75% للبرتغال.
وقدرت قيمة التعويضات تلك بـ (132) مليار مارك ذهبي على أن تدفع سنوياً (2) مليار مارك ذهبي بالإضافة إلى ربع قيمة الصادرات الألمانية المقدرة آنذاك 4 مليار مارك ذهبي أي عليها دفع تعويضات لمدة 45 عاماً تقريباً، وعقدت فرنسا اتفاقاً مع ألمانيا (راتنو-لوشور) في 1922 لدفع التعويضات نقداً وهدفت من وراء ذلك زرع الخلافات بين الدول التي تدفع لها التعويضات.
كذلك ألزم مؤتمر 1945م بين دول الحلفاء المنتصرة على هتلر في الحرب العالمية الثانية بأن تدفع ألمانيا مبالغ قدرت بـ 20 مليار دولار كتعويض عن خسائر الحرب، وألزمت بإعادة كل المحلات المسروقة بما فيها اللوحات الفنية القديمة غالية الثمن وألزمت إيطاليا بإعادة كل ما تم نهبه من الحرب من أموال وذهب وأثاث من قبلها.
إذاً تم ابتزاز ألمانيا الضعيفة بسبب فشلها بالحرب العالمية الأولى والثانية، واستغلت الحركة الصهيونية العالمية النزاعات والخلافات فيما بين الدول واستطاعت تحريك أيديها الخفية عبر شتى الأساليب، حتى فيما إذا نظرنا إلى مسألة الهولوكوست التي استغلتها جيداً بدعم من الدعاية البريطانية والفرنسية والأمريكية، وسنجد أن هذا الحلف الاستعماري ظل ولا يزال يتلاعب بمصير الشعوب والتحولات السياسية في أوروبا والشرق الأوسط والعالم لمصلحة اليهود والصهاينة بكل المعايير اللاأخلاقية واللاقانونية.
لقد تجلت قضية المؤرخ (ديفيد ارفنيغ)[134] التي رفعها ضد المؤلفة اليهودية (دبوره لبشتات)[135] وناشر كتابها بنغوين إذ قدم المؤرخ أرفينغ مئات الوثائق وجلب الخبراء من أكثر من مكان في العالم لكي يثبت لها أن كتابها مدموغ بالأكاذيب والأضاليل عن (المحرقة اليهودية) وبالمقابل استفزت (دبوره) يهود لندن وأثرياءها ويهود أوروبا والولايات المتحدة من مجموعات الضغط والابتزاز اليهودية واللوبي الصهيوني المتنفذ في أوروبا وأمريكا لإثبات عكس ما أثبته ديفيد أرفينغ وكان الثري (سبيلبرغ) قد دعم لبشتات مالياً وإضافة إلى حكومة العدو الصهيونية ضد كتاب أرفينغ عن (أيخمان) وقد وجهت الدعاية الصهيونية ضده لأنه كتب التاريخ والحقائق ملموسة وواقعية عما يسمى بالمحرقة النازية إذ أكد أن الإنسان العاقل لا ينكر دور الهتلرية في قتل اليهود وغيرهم ووضعهم في معسكرات اعتقال لكن الحركة الصهيونية واليهود وإسرائيل بالغوا في عدد الذين ماتوا أو قتلوا، مستنكراً المزاعم القائلة بأنه استخدمت غرف الغاز في "اوسيفيتز" ضدهم، وأكد أن اليهود ماتوا كغيرهم بسبب الجوع وأعمال السخرة والأمراض وأحرق منهم العديد كما أحرق من غيرهم.
تعتبر دبوره لبشتات من أنشط الكتاب اليهود الصهاينة في الولايات المتحدة وهي ملتزمة بكل ماهو تحريفي وشوفيني لصالح العنصرية الصهيونية، وتؤسس العداء لليهود بفضل تعصبها المتطرف والمعادي للشعوب الأوروبية غير متناسية أدوار أوروبا السابقة في قتل وحرق اليهود في مدينة (نيدلنفن) وهي متطرفة حقودة تدافع عن العصابات الصهيونية وأنشطتها الفاشية الإرهابية واستغلت المحاكم البريطانية كعادتها قضية المؤرخ البريطاني مؤكدة بأنه لا يمكن إنكار وجود غرف الغاز في معسكرات الاعتقال اليهودية حيث زعمت لبشتات، والقاضي البريطاني بأن ألمانيا النازية حرقت 3 ملايين يهودي في غرف الغاز بينما لم يكن في ألمانيا قبل وفي خلال الحرب أكثر من مليون يهودي وهذه الأكذوبة لا تنطلي على أحد إلا المتضامنين تاريخياً مع الصهيونية العالمية وبالأخص بريطانيا صاحبة وعد بلفور المشؤوم 1917م وصاحبة الانتداب على فلسطين والتآمر مع بن غوريون وغولدا مائير وعصاباتهما لاغتصاب فلسطين لقد كان رئيس الورزاء الإسرائيلي (أهودا باراك) من أوائل الذين هنؤوا دبوره لبشتات على انتصارها في قضية (أرفيننغ) والذي قال فيها:
"إن الحكم الذي أصدره القاضي البريطاني نصر للعالم الحر ضد قوى الظلام التي تحاول إزالة ذكرى أسوأ درجة أدركتها الإنسانية وأن إسرائيل مستمرة في النضال ضد أولئك الذين ينكرون الهولوكوست"؟![136].
إذاً ماذا نقول عن تصرفات باراك الفاشية والإرهابية، بذهابه لبيروت وبقتل كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار؟ وماذا نقول عن جزار وسفاح مجازر صبرا وشاتيلا أريئيل شارون وعن مذابح دير ياسين وكفر قاسم وقبية ونحالين وحواسه وهدارا الكرمل والمذبحة اليهودية المخطط لها سلفاً مع إدارة مصفاة حيفا (الرفيزي) تلك الإدارة البريطانية التي سوغت لنفسها التآمر مع العصابات الصهيونية لقتل العمال العرب بالقنابل اليدوية؟ ماذا نتحدث عن المحرقة الصهيونية المكرسة منذ أكثر من خمسين عاماً ضد الشعب الفلسطيني ماذا نقول عن اعترافات شلومو بن عامي في 28 تشرين الثاني 2000م حيث أكد (عكيفا ألدار) في صحيفة هآرتس في جلسة للحكومة الإسرائيلية بأن وزير الخارجية الإسرائيلية اعترف وبشكل رسمي:
"الشعب الفلسطيني واقع تحت الاحتلال وهو محتل ومحاصر في مواجهة محتليه"[137].
لعل ما ذكره (عكيفا ألدار) عن قول شلومو بن عامي نصف الحقيقة، والحقيقة الكاملة علق عليها هنري سيغمان[138] لقد وجد الإسرائيليون أنه مؤلم لهم الاعتراف بالظلم الذي وقع على الفلسطينيين نتيجة قيام الدولة اليهودية لأنهم اعتبروا الاعتراف بذلك إسقاط تاريخي وسياسي وقانوني لشرعية المشروع الصهيوني كله على أنه قائم على الباطل وليس على شيء آخر[139].
ليس من حق حكومة الإرهابي "أهودا باراك" أن تطالب الفلسطينيين الالتزام بالخضوع للقانون الدولي، وهي تخترق القانون الدولي وجميع الاتفاقيات الموقعة لصالح الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وبالأخص حق العودة وتقرير المصير وحق التعويض عن سنوات القهر والقتل والتهجير، وتحديد الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بمعانيها الإنسانية والتحررية، لقد أكد هنري سيغمان رداً على دبورة لبشتات وعلى شارون وباراك بأن يحذوا مع مثقفي وسياسي "إسرائيل" حذو شلومو بن عامي وان يحوّلوا أفكاره والإقرار الخافت لوزير الخارجية فيتحول إلى فعل سياسي بنَّاء وإنساني وليس إلى فعل عنصري وبربري متوحش.
لا يمكن تناسي قضية أن النازية الألمانية لعبت دوراً خطيراً في تدمير مقدرات دول وشعوب بشكل فاشي بغزوها الهمجي لاحتلال أوروبا والاتحاد السوفييتي طمعاً في بحر قزوين ونفط باكو والمنطقة، وكرست النازية المقولات والثقافة العنصرية المعادية لجميع البشر تحت ما يسمى تفوق (العرق الجرماني) وهي المقولات الصهيونية العنصرية نفسها المعادية لشعوب وأمم العالم تحت ما يسمونه (معاداة السامية) فتحت هذا الشعار نهضت المسألة اليهودية من تحت رمادها وحركتها الدول الكبرى لإبراز دورها ووزنها وقوتها في العلاقات الدولية.
والشعوب الأوروبية وأحزابها التقدمية حاربت الهتلرية ودافعت عن نفسها أيضاً، أما الحركة اليهودية –والصهيونية فلم تدافع عن أوروبا وبلدانها بل دافعت عن يهوديتها فقط، حتى في خلال الحرب، ودفعت بالآلاف للهجرة لتحقيق أهدافها العنصرية الضيقة، ولم تدافع عن الإنسانية والبشرية في الحرب مطلقاً...؟!.
أما تصريحات (هتلر صغير) أيدها كل من أمنون شاحاك واسحق ليفي من علي منصة الكنيست الإسرائيلي، لكن أكدت الأوساط العربية والروسية ودول أخرى بأن تصريحاته تعيد للأذهان الوجه النازي لحكام إسرائيل بينما علقت روسيا عبر ناطق حكومي بأنها (أي تصريحات ديفيد ليفي) تزيد من حدة التوتر وتدفع للمزيد من القلق، ولا تقدم عملية السلام إلى الأمام أية خطوة مع زيادة التطرف الصهيوني وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
ونعدكم بأنكم ستقرأون ما لم يقرأه أحد حول التاريخ الصهيوني بشكل كامل
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)